تركيا والعلم، ادّعاءات وضجيج إعلامي

تترك رؤية سحر المكان الذي نشأتَ فيه يختفي ببطء تأثيرا قويّا عليك بغض النظر عن عمرك. ففقدان جاذبية المكان الذي تكونت فيه ذكريات طفولتك يفتح جرحا عميقا.

بالنسبة لي، هذا المكان هو شارع بغداد الشهير في منطقة كاديكوي في اسطنبول. أطلق على الشارع الجميل الذي يبلغ طوله تسعة كيلومترات اسمه بعد أن استخدمه السلطان العثماني مراد الرابع طريقا لجيشه بعد حملة على بغداد.

تصطف المحلات التجارية والمطاعم والمقاهي، في شارع كان موطنا للطبقة الوسطى العليا في المدينة.

جعلت كل الأضواء المنبعثة من المتاجر شارع بغداد ساحرا. ولطالما أحببت السير فيه وهو يعجّ بالناس. لكن،  وللأسف، أصبح الآن ظلا لما كان عليه في السابق بعد إغلاق العديد من المحلات التجارية وتحول بعض المبانيه إلى مواقع بناء.

منذ طفولتي، كان أصحاب المتاجر المنتشرة في الشارع يدفعون مبلغا كبيرا للإيجار. وكلما أغلق متجر ما، سارع صاحب عمل آخر لاستئجار المحل. ولم يعد هذا هو الحال اليوم.

تعتبر حالة هذا الشارع الذي كنت أعتبره راقيا، واحدا من أكثر الأمثلة الملموسة على الانكماش الذي ضرب الاقتصاد التركي على الرغم من ادعاءات قيادتنا بأنه "في ارتفاع" وأن بلادنا تواصل النمو خلال الوباء.

كان من المتوقع أن تصل تركيا إلى هذه الوضع بسبب استثمار الحكومة، على امتداد سنوات، جميع القروض التي حصلت عليها بالدولار في قطاع البناء. ونحن نمر بفترة توضع فيها الاستثمارات العديدة في المجال العلمي ضمن الثانويات، مع رفض الكفاءات الشابة في البلاد التي كان من المفروض أن تدعم الحكومة مشاريعها.

يبدو أن الأمر لن يكون سهلا بالنسبة لتركيا من الآن فصاعدا.

لكن دعونا لا نفقد كل الأمل، فنحن نمارس تقديم اختراعات الآخرين على أنها محلية ووطنية. ونذكر القيود الإلكترونية كأحدث مثال على ذلك.

كان يجب أن يكون هذا مصدر إحراج. لكن، ليس في تركيا، حيث يُوضع نصف البلاد ضمن قائمة الإرهاب بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016.

في هذا البلد، يمكن للوزير أن يقف أمام الجمهور ليعلن بفخر عن الأصفاد المصنوعة محليا، كما رأينا مع وزير الصناعة والتكنولوجيا التركي مصطفى ورانك هذه السنة. ولا يسأل أحد "لماذا لا تعمل تركيا على إجراءات من شأنها كبح الجريمة بدلا من فرض قيود على شعبها"؟

أصبح هذا الترويج للسلع المحلية توجّها بارزا. ويُعاد تقديم الاختراعات التي غادرت البلاد وتسمى المنتجات الوطنية المنتجة محليا.

عندما اخترع طالبان في الثانوية من مقاطعة أنطاليا الجنوبية، وهما محمد كان دورسون وعرفان إيف بوزتيب، ضمادة مصنوعة من قشور ، حظيا باهتمام دولي، لكن تركيا لم تهتم بهما. وفي 2016، حصلا على منحة من جامعة أميركية لاختراعهما.

بعد بضع سنوات، اكتشف الكيميائيان في أنطاكيا أن قشور السلطعون والروبيان فعالة في وقف النزيف. قدموا المشروع على أنه "محلي ووطني" للحكومة وحصلوا على تمويل قدره 1,3 مليون ليرة من وزارة التجارة.

وفي 2016 ، أنشأت شابة تركية تُدعى إيلايدا شميلغيل نظاما يمكنه قياس مستوى الماء في السوائل باستخدام مغناطيس. بينما لم تولي تركيا اهتماما بمشروعها، تلقت دعوة من وكالة ناسا للانضمام إلى مشروع تديره.

تعمل هذه الأمثلة وغيرها على إظهار وضع تركيا الحالي. فعندما ألقي نظرة على الطريقة التي تتعامل بها بلادنا مع الاكتشافات العلمية، أتذكر الرسوم الكرتونية جيتسون وفلينستون.

قد يتذكر أولئك الذين رأو كرتون عائلة فلينستون واعتمادعا على اختراعات بدائية أكثر من تلك الموجودة اليوم، لكنها لا تمنعها من ممارسة حياتها بسعادة. فعلى سبيل المثال، هناك صحف مطبوعة على الصخور، ولا تصمم الأجزاء السفلية من السيارات حيث تستخدم الأقدام لدفعها بدلا من المحركات. لكن حياتهم تشمل مستوى من الحداثة.

تقف عائلة جيتسون في تناقض صارخ مع عائلة فلينستون بحياتها المستقبلية. هناك سيارات طائرة وروبوتات مساعدة في المنزل، وتتلقى الصحف من خلال أجهزة التلفزيون والأفران الذكية التي تصنع جميع أنواع الطعام.

أصبح جل العالم أقرب إلى تكنولوجيا عائلة جيتسون، مع التمويل المخصص للبحث والتطوير، والفرص المقدمة للعلماء الشباب وابتكار المنتجات التي تضفي راحة على الحياة.

لكن تركيا تشبه عائلة فلينستون. فلن تفكّر في إنتاج سيارة ذكية إلا إذا رأتها في السوق العالمية. وأصفاد إلكترونية؟ دعونا نصنع نسخة منتجة محليا!

لكن، وللأسف، لا يفيد وصف هذه الاختراعات على أنها محلية ووطنية اقتصادنا، حيث أن العملية لا تتجاوز أخذ اختراع آخر ونسخه. وهذه الاختراعات المزعومة تشبه ادعاء طفل في روضة الأطفال أنه تمكن من اكتشاف لون جديد من خلال مزج لونين مختلفين.

لبعض الوقت، فقدت تركيا الأمل في أن تجد لها مكانا بين الدول المتقدمة. وتؤكد الأخبار التي أقرأها كل يوم هذا الشعور. وهذا ما ستتكبّد الأجيال القادمة دفع ثمنه باهظا.

هذه الأيام، يقتصر أملي الوحيد في أن لا يخرج أحد ليكشف النقاب عن سيارة من إنتاج محلي دون محرك نُسيّرها بأقدامنا. فهذه هي الوجهة الظاهرة لسياساتنا المحلية والوطنية.

لقراءة المقال باللغة الإنجليزية على هذا الرابط

https://ahvalnews.com/science/turkeys-approach-science-resembles-flintstones
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.