تركيا تريد انتزاع دور "حماية سنة لبنان" من السعودية

بيروت - قال مراقبون إن غيابا سياسيا سعوديا ملموسا سجل في لبنان بعد انفجار بيروت في الوقت الذي سارعت فيه تركيا إلى تقديم نفسها كفاعل سياسي واقتصادي في البلاد، وإن أنقرة تستفيد من تراجع الاهتمام السعودي وتخوّف إيران من أن تحضر بقوة في مشهد يستقطب اهتماما غربيا واضحا.

وأشاروا إلى أن مسارعة تركيا إلى إرسال نائب الرئيس التركي فؤاد أوقطاي إلى بيروت موفداً من الرئيس رجب طيب أردوغان، برفقة وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو وعدد من المسؤولين الأتراك، أكدت الاهتمام التركي على أن تكون أنقرة لاعبا أساسيا في المشهد اللبناني.

ولا تخفي الرياض عدم رضاها عمّا يجري في لبنان من تطورات سياسية حتى قبل انفجار بيروت، وتوقفت عن تقديم أيّ دعم اقتصادي للبلاد، فضلا عن تقليص بعثتها الدبلوماسية في بيروت.

وترى الرياض على لسان كبار المسؤولين فيها أن الدولة اللبنانية صارت خاضعة كليا لسطوة حزب الله، الأمر الذي يحول دون حضورها السياسي والاستثماري في لبنان.

ولم يخف وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان قلق بلاده من هيمنة حزب الله في لبنان.

وقال خلال مشاركته في مؤتمر المانحين الذي أقيم بمبادرة فرنسية الأحد الماضي “إن الحزب له سوابق في استخدام المواد المتفجرة في عدد من الدول العربية والأوروبية”.

وعزا الكاتب السعودي خالد السليمان مواقف بلاده من لبنان إلى أنه لا يمكن أن “تسقي الأشواك”.

وقال السليمان في مقال بصحيفة عكاظ “هذه المرة كان للسعودية موقف مختلف، موقف صريح وشفاف للبنان الداخل وللمجتمع الدولي، السعودية لن تستمر في دفع فواتير حزب الله، وعلى اللبنانيين أن يتحملوا مسؤولياتهم تجاه بلادهم، وعلى المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته تجاه عبث حزب الله داخليا وإقليميا”.

لكن خطر الابتعاد السعودي بسبب معارضة الرياض لحزب الله، يترك المجال لتوسع الدور التركي حيث تقدم أنقرة نفسها كـ”حامية للسنة”.

وقال مراقب لبناني مقرب من الرياض “حضرت المساعدات الإنسانية السعودية بسخاء وغابت السياسة.”

وتعتبر مصادر سياسية تتابع التحرك التركي في لبنان أن رهان أنقرة في الوقت الحاضر هو على ملء الفراغ العربي في البلد في ظلّ الأزمة العميقة التي يعاني منها حزب الله، الذي ليس سوى ذراع لإيران.

وأكدت هذه المصادر أن تركيا تمتلك وجودا معنويا في لبنان، لكنها لا تدرك أنّ هذا الوجود لا يعني أنّ السنّة موالون لها.

ووصف سياسي لبناني بارز الوجود التركي بالمهمّ جدا في ظلّ وجود عدد من الجمعيات الخيرية التي تدعمها أنقرة، خصوصا في طرابلس عاصمة الشمال اللبناني.

وسبق انفجار بيروت جدل سياسي بين شخصيتين سياسيتين سنيتين حول من يوالي السعودية ومن يوالي تركيا في لبنان.

كلام أوقطاي يكشف الانتهازية التركية
كلام أوقطاي يكشف الانتهازية التركية

واتهم موقع “أساس ميديا” الذي يشرف عليه وزير الداخلية السابق المقرب من السعودية نهاد المشنوق، مدير الأمن اللبناني السابق ووزير العدل أشرف ريفي بأنه ينسق مع المخابرات التركية للسيطرة على شمال لبنان.

ورد ريفي على المشنوق بعنف واصفا إياه بأنه ينتقل “من دسيسةٍ إلى دسيسة ولا يتغير إلا رب العمل”.

وتنافس المشنوق وريفي على استقطاب اهتمام السعودية في الوقت الذي تراجعت فيه حظوظ رئيس الوزراء اللبناني السابق ورئيس كتلة المستقبل سعد الحريري مع الرياض.

ويعتبر السياسيون السنة أن تركيا تسعى لاختراق واسع في لبنان و”تمثيل الطائفة” من خلال مشروع رعاية الجمعيات الإسلامية والاهتمام بترميم الأبنية القديمة مع تركيز خاص على تلك التي تذكّر بالحقبة العثمانية.

وشدّد سياسي لبناني استطلعت “العرب” رأيه في الدور التركي على ضرورة “التمييز بين التقدير الذي يكنّه السنّة اللبنانيون، خصوصا في طرابلس، لتركيا وبين الولاء لها،” مشيرا إلى أنّ سنّة لبنان يتعاطفون عموما مع كلّ من يتصدّى للنظام السوري الذي على رأسه بشّار الأسد.

وأوضح أنّ السنّة عموما لديهم حساسية تجاه كلّ من يتعاطى مع بشّار الأسد وذلك في ضوء وجود تجربة مرّة لديهم مع النظام السوري بطبيعته المذهبية (العلوية). وظهرت هذه الطبيعة المذهبية للنظام السوري في طرابلس على وجه التحديد حيث تحوّل العلويون إبان الوصاية السورية، التي امتدت إلى العام 2005، إلى ما يشبه الأوصياء على المدينة وذلك على الرغم من أنّهم يشكلون أقلّية صغيرة فيها.

وتشير المصادر السياسية إلى أن زيارة نائب الرئيس التركي لبيروت مباشرة بعد مغادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كانت محاولة واضحة لإيجاد توازن مع فرنسا وإظهار تركيا كحامية للمسلمين السنّة في مقابل حماية فرنسا للمسيحيين.

ولم تضع تركيا الفرصة الاقتصادية التي يمثلها خروج ميناء بيروت تماما عن العمل، إذ تحدث نائب الرئيس التركي أوقطاي عن دور ميناء مرسين كبديل من ميناء بيروت.

وأكد أوقطاي أنّ “تركيا ستمضي مع لبنان حتى النهاية”. مشيرا إلى أنّ زيارته إلى لبنان تعد بمثابة “شيك مفتوح” لتقديم “شتى أنواع المساعدات لأبناء الشعب اللبناني الشقيق”.

وقال مراقب سياسي لـ”العرب” إنّ كلام أوقطاي “أثار استياء في أوساط كثيرة، بما في ذلك الأوساط السنّية التي لديها مصلحة ببقاء ميناء بيروت وإعادة ترميمه على وجه السرعة. الكلام يكشف الانتهازية التركية.”

لكن خريطة توزيع الموانئ في شرق المتوسط تكشف حجم الفرصة التركية في السيطرة على التجارة مع لبنان.

فخروج ميناء بيروت عن الخدمة ومحدودية إمكانيات ميناء طرابلس في استقبال سفن الحاويات الكبيرة، يجعل ميناء مرسين واحدا من الخيارات الأساسية كميناء مناولة، خصوصا مع وجود الحظر الدولي على موانئ سوريا، واستحالة توفير الموانئ الإسرائيلية البديل.”