تركيا في مرحلة هدم الصحافة والاستيلاء على وسائل الإعلام

لا تزال تركيا تحت قيادة الرئيس رجب طيب أردوغان دولة رائدة في وضع قواعد اللعبة وتقييد حرية الإعلام والخطاب العام. وعندما نقول إن قصتنا مأساوية، فإننا لا نبالغ بأي حال من الأحوال. حيث أن لتراجع الحقوق والحريات الأساسية وسيادة القانون في تركيا مركزه في هدم الصحافة والاستيلاء على وسائل الإعلام من جهة وتفكيك القضاء وتبعيتها من جهة أخرى.

أعمل صحفيا لأكثر من 40 عاما، قضيت 15 منها أمين المظالم، ويمكنني أن أقول إنني شاهد مباشر على الطريقة التي التهمت بها السلطة التنفيذية السياسية، بقيادة الرئيس أردوغان، مهنتنا المشرفة خلال العقد الماضي.

وشهدنا انهيار الركيزة التي تجعل من السلطة الرابعة أساسا للديمقراطية:

وتُركت الحرية والاستقلال التحريري والتعددية (أو التنوع) كلها خرابا وحُطاما كما تفاقمت مأساة الصحفيين الأحرار والمستقلين مع احتجاجات منتزه غيزي الشهيرة في 2013. فمنذ ذلك الحين وحتى الآن، نظم أردوغان تحركاته بشراسة لشل الأجزاء الحاسمة من نسيج الإعلام المتنوع.

واستهدفت استراتيجيته في ترويض وسائل الإعلام التلفزيون في المقام الأول، أكثر بكثير من المطبوعة أو المنشورة عبر الإنترنت، لأن 88 في المائة من الجمهور التركي، وفقا لبيانات اليونسكو، يتلقى الأخبار والتعليقات من القنوات التلفزيونية فقط.

ومع ذلك، كانت وسائل الإعلام التركية، رغم كل الصعاب، تتمتع حتى 2015 - 2016 بأرضية تعددية إلى حد ما: فقد كانت تتألف من عناصر قومية ويسارية وليبرالية ووسطية وعلمانية جمهورية وإسلامية وكردية، وغولنية وعلوية إضافة إلى "الإعلام المؤسسي"، الذي كان لأصحابه الجشعين تقليد الاعتماد المفرط على السلطات السياسية، وكانوا فاسدين إلى حد كبير.

ومن خلال الاستفادة من قطاعات الإعلام الفاسدة بالإضافة إلى الاستقطاب داخل الأجزاء الإعلامية المختلفة في القطاع، استغرق الأمر من أردوغان للوصول إلى هدفه ما بين 5 و6 سنوات. وألغى بعضها، وحول هياكل الملكية لمصلحته.

والآن، يخضع حوالي 95 في المائة من قطاع الإعلام لسيطرة قصر أردوغان التحريرية إما بشكل مباشر أو غير مباشر.

ونتيجة لذلك، يتعرض الجمهور التركي لأخبار غير مسبوقة وتعتيم على التعليقات، وكاد التنوع والخطاب العام الحر يختفيان منذ محاولة الانقلاب غير موجودة. ولم يتبق سوى أقل من حفنة من الصحف الحزبية الصغيرة، والقنوات التلفزيونية الصغيرة غير الفعالة.

دعونا نلقي نظرة على بعض البيانات.

لا تزال تركيا غير حرة في تصنيف فريدوم هاوس لمدة 7 سنوات متتالية، ويضع أحدث استطلاع سنوي لـ"مراسلون بلا حدود" تركيا في المرتبة 154 من بين 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2020.

فيما يلي بعض النقاط الرئيسية:

تخبرنا أحدث بيانات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن تركيا أصبحت المنتهك الأكبر في المحكمة. وهي تحتل المرتبة الأولى بين 47 دولة عضوا في مجلس أوروبا في عدد الأحكام الصادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشأن انتهاكات حرية التعبير في 2020.

ومن بين 97 قضية تتعلق بتركيا في 2020، تنطوي 85 حالة على انتهاك واحد على الأقل للحقوق. وكانت أكثر الانتهاكات شيوعا متعلقة بحرية التعبير (31)، تليها الحق في محاكمة عادلة (21)، ثم الحق في الحرية والأمن ( 16).

كما ارتفع عدد الطلبات المعلقة من تركيا بنسبة 27 نقطة مائوية في العام الماضي، لتصل إلى 11750. ويمثل هذا ما يقرب من 20 في المائة من إجمالي القضايا التي تنتظر أن تُعرض على المحكمة الأوروبية.

ويخبرنا هذا عن مدى عدم تسامح النظام في أنقرة بشدة مع حرية التعبير.

وليست المشكلة سياسية أو قانونية فقط. ويجب أن أضيف أن عدم التسامح مع حرية التعبير في تركيا كان ظاهرة اجتماعية وثقافية على مر العصور. فلطالما كان الخطاب العام في تركيا يشكو أزمة منذ عقود، حيث تحولت النقاشات في كثير من الأحيان إلى صراخ، وافتراءات، بدلا من تبادل وجهات النظر. وتبقى وسائل التواصل الاجتماعي التركية الأكثر خطورة على المستوى العالمي.

ومن المهم أن نلاحظ هذا الجانب.

كم عدد الصحفيين في السجن؟

تختلف الأرقام حسب المعايير.

وفقا لمنصة الصحافة المستقلة (بي 24)، هناك ما لا يقل عن 83 صحفيا محتجزين في السجون حتى فبراير 2021.

ووفقا لقاعدة بيانات "الصحفيون المسجونون والمطلوبون في تركيا" التابعة لمركز ستوكهولم للحريات، يوجد 175 صحفيا خلف القضبان و167 مطلوبين، إما في المنفى أو طليقين. ووفقا لنتائج منظمة مراسلون بلا حدود في 2020، أمضى 48 صحفيا يوما واحدا على الأقل في حجز الشرطة في عام 2020. وتشمل أسباب اعتقالهم الإشارة إلى مصير اللاجئين السوريين، ومزاعم فساد لأردوغان ودوائره المقربة، والتحقيق في تعامل الحكومة مع قضايا اللاجئين، وجائحة كوفيد-19، وتغطية القضية الكردية.

كما تبقى المحاكم مسيسة في إصدار أحكام السجن. مع منح أكبر عدد من سنوات السجن لمحمد بارانسو، المراسل الذي غطى الجيش وملفات الانقلاب وقضايا الأمن القومي. وحُكم على بارانسو بالسجن ما يقرب من 37 عاما بتهمة "إفشاء أسرار الدولة".

وحُكم على جان دوندار، وهو محرر سابق في صحيفة جمهورييت اليومية، بالسجن 27 عاما ونصفا في 23 ديسمبر 2020 بتهمة التجسس ومساعدة منظمة إرهابية. وبدأت مشاكل دوندار القضائية بعد أن نشر قصة عن شحنات الأسلحة التركية للجماعات الإسلامية في سوريا. كما أن نديم تورفنت، زميل كردي شاب، محتجز منذ أكثر من خمس سنوات بتهمة الدعاية الإرهابية.

ويجب أن أذكر أن لدي مذكرة توقيف دائمة، وكذلك اثنين من كبار المحررين الآخرين في موقع أحوال تركية. ولا نعرف السبب لان محامينا يحرمون من المعلومة حتى نستسلم للسلطات. لكننا نعلم، بالطبع، أننا مطلوبون بسبب مخرجاتنا الصحفية النقدية.

مزيد من الحقائق:

أدين ما مجموعه 63 صحفيا بتهمة "إهانة الرئيس" بموجب المادة 299 من القانون الجنائي منذ انتخاب أردوغان رئيسا في أغسطس 2014. وغالبا ما يُدان الصحفيون بموجب قانون الإرهاب، عادة بتهمة دعم منظمة غير قانونية أو الانضمام إليها. ويستخدم قانون البنوك أيضا لمقاضاة المراسلين التجاريين وإدانتهم.

وأجبِر ما لا يقل عن 160 منفذا إعلاميا على الإغلاق، في أعقاب محاولة الانقلاب في 2016. واعتُمدت تدابير حالة الطوارئ التي فُرضت بعد محاولة الانقلاب في 2016 لإغلاق وسائل الإعلام المؤيدة لحركة غولن ولإسكات الموالين للأكراد واليساريين وعدد قليل من وكالات الأنباء. ولم تُنهب معظم تلك المنافذ من مخزونها فحسب، بل حُذفت أرشيفاتها الرقمية، وذاكرة المحتوى، إلى الأبد. وكانت عمليات الإغلاق إبادة للتعددية الإعلامية.

وطُرد ما مجموعه 3436 صحفيا من وسائل الإعلام التركية في السنوات الخمس الماضية. وبحسب بيانات نقابة الصحفيين الأتراك التي جرى تحديثها في فبراير الماضي، فإن الصحفيين الأعضاء في أي نقابة يمثلون 7 في المائة فقط من مجموع العاملين. وإذا كان الطرد إجراء عقابيا، فإنه يفسر سبب وجود قدر هائل من الرقابة الذاتية، الآن كممارسة روتينية يومية. وبالتالي، عادت المحرمات مرة أخرى، بعد ذوبان الجليد لفترة وجيزة في أوائل القرن الواحد والعشرين: القضية الكردية، والقضية الأرمنية، والفساد، وقضايا السياسة الخارجية مثل رعاية الشبكات الجهادية، وأي نقد يُوجّه إلى عائلة أردوغان.

 

هذا المقال عبارة عن الجزء الثاني لدراسة مظولة، سننشر الجزء الثالث لاحقا

This block is broken or missing. You may be missing content or you might need to enable the original module.