تركيا القوة المتوسطة المرنة في النظام العالمي

تركيا قوة متوسطة الحجم وهي تتبنى "استراتيجية القوة المتوسطة الكبرى المرنة" التي ستخدم مصالحها الوطنية في السنوات القادمة.

وإذا واصلت السلطات التركية الاستثمار في قدرات القوة الصلبة للبلاد من منظور واقعي بينما تعمل في نفس الوقت على تعزيز المبادئ الكانطية الليبرالية في السياسة العالمية، فإن قدرة البلاد على تحمل التطورات المضطربة في عصرنا، ولا سيما الاستقطاب الجيوسياسي عبر العالم، ستزداد بالإضافة إلى ذلك.

هذه الفرضية هي التي يتحدث عنها الكاتب والباحث التركي طارق اوغوزلو في مقال له في ديلي صباح التركية وهو استاذ العلوم السياسية في جامعة بيليم انطاليا.

يبدو أن إدارة بايدن توفر لتركيا فرصا للمساعدة في تحقيق هذه الاستراتيجية، على عكس الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، فإن الرئيس جو بايدن من أشد المؤمنين بالنزعة الدولية الليبرالية والنظام العالمي القائم على القواعد.

من المرجح أن تساهم هذه الرؤية في نوع  من المرونة الديموقراطية الليبرالية في جميع أنحاء العالم في تحقيق المزيد من الاستقرار في السياسة العالمية. سوف يساعد ذلك على إضعاف الممارسات الاستبدادية غير الليبرالية.

يبدو أن بايدن وفريقه يرفضون فكرة هوبز عن تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ.

ربما تبدو هذه الحصيلة التي يقدمها الكاتب والتي تمتزج فيها نظريات العلوم السياسية بالفلسفة أقرب الى الخيال بالنظر الى ان تركيا لا تحتكم الى كل ذلك العمق الفكري والفلسفي الذي قد لا يخطر في ذهن اردوغان والمحيطين به أيضا لأن اهمامتهم يتجه الى قضايا اخرى.

واذا كان التنظير للديموقراطية الغربية سهلا لجهة ترويج تركيا لنفسها على اساس انتمائها الاوروبي فإن الأمر لن يتعدى الفرضيات.

 إن استعادة الديمقراطية الليبرالية في الداخل، لن يجدد القوة الناعمة للولايات المتحدة فحسب، بل سيشجع أيضا العديد من القوى الوسطى في جهودها للمساعدة في تحويل السياسة الدولية إلى صورة الأعراف الكانطية.

إن إعادة توحيد المجتمع الأمريكي حول القيم المشتركة للدستورية وفصل السلطات والتعددية الثقافية وحقوق الإنسان سيشجع الغرباء الذين يعتزون بقيم مماثلة.

من وجهة نظر تركيا، يجب أن يُنظر إلى جهود بايدن للمساعدة في تجديد النظام الدولي الليبرالي من خلال تحسين العلاقات مع الحلفاء الديمقراطيين الليبراليين في جميع أنحاء أوروبا وآسيا على أنها ميزة، بشرط ألا تهدف هذه الجهود إلى إقامة تحالفات مناهضة للصين / روسيا على أسس أيديولوجية.

العديد من القوى الوسطى مثل تركيا هي الأقرب الى الولايات المتحدة. هم الحلفاء التقليديون.

 سيكون من الجيد إعادة بناء العلاقات الدولية على أساس القيم والممارسات الليبرالية، لكن السؤال هو، من اجل تلك القيم الديموقراطية والليبرالية فهل ان تركيا مستعدة من اجل تلك الفرضية التي يفرضها الكاتب الى معاداة روسيا والصين لمجاراة السياسة الأميركية؟

لا ينبغي أن تؤدي محاولات تقوية الأممية الليبرالية إلى مزيد من الاستقطاب في السياسة العالمية.

فبدلاً من تعريف الأممية الليبرالية كاستراتيجية يُنظر فيها إلى تحويل الآخرين إلى صورة القيم الديمقراطية الليبرالية على أنه مشروع، فإن فهم تركيا للعالمية الليبرالية يقترب من فكرة دمقرطة عملية العولمة.

هذه عملية يمكن من خلالها للدول ذات القيم الداخلية المختلفة والخصائص السياسية أن تعيش جنبا إلى جنب وتتعاون مع بعضها البعض في إطار إطار متعدد الأطراف قائم على القواعد لتحقيق المصالح المشتركة.

يُنظر إلى احترام وحدة أراضي الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية على أنها أقدس القيم الليبرالية في نظر تركيا.

لكن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية وعدم استخدام القوة المسلحة واعتماد مبادئ الليبرالية بما فيها مراعاة حقوق الانسان، كل ذلك مفقود تماما في السياسة التركية ولتركيا سجل حافل في خرق مبادئ الحريات الاساسية والتضييق على حملة الرأي السلمي فكيف يسوق الكاتب تلك الصورة البراقة لتركيا الي لا وجود لها على انها من عوامل رضا بايدن على سياسات تركيا.

كلما اقترب بايدن من هذا التفاهم، زاد احتمال أن تتمكن أنقرة وواشنطن من تطوير علاقات تعاون في السنوات القادمة.

من الجيد أنه على عكس ترامب، يبدو أن بايدن يعتقد أن تحسين العلاقات مع الحلفاء التقليديين يجب أن يسير جنبًا إلى جنب مع البحث عن فرص لتطوير التعاون مع المنافسين المحتملين بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك، مثل هزيمة الأوبئة العالمية، ومنع انتشار الأسلحة النووية. وضمان التنمية المستدامة والتعامل مع التحديات البيئية.

يشير هذا إلى أن بايدن سيحاول بذل قصارى جهده لتأمين التعاون مع الدول غير الليبرالية مثل الصين وروسيا وإيران بينما يستثمر في نفس الوقت في المعسكر الديمقراطي الليبرالي.

إذا أعطى بايدن الأولوية لاستعادة الديمقراطية الليبرالية في الداخل والخارج وعلى اتباع سياسة خارجية متوازنة، فإن هذا سيزيد من القدرة على المناورة للعديد من القوى الوسطى ويناسب المصالح الوطنية لتركيا أيضًا.

تقدر الإدارة الأمريكية الجديدة العلاقات عبر الأطلسي وتدعم تعزيز الناتو والاتحاد الأوروبي كركائز أساسية للنظام العالمي الليبرالي.

من وجهة نظر أنقرة، قد يعمل الاتحاد الأوروبي القوي كركيزة ثالثة في السياسة العالمية على تعزيز قدرة تركيا على تنفيذ استراتيجية القوة المتوسطة المرنة. تتوافق القيم والمعايير التي بنيت عليها عملية التكامل في الاتحاد الأوروبي مع الديمقراطية الليبرالية.

إلى جانب ذلك، على غرار العديد من القوى الوسطى وتركيا، لا يريد الاتحاد الأوروبي، أن يجد نفسه في خضم مواجهة شبيهة بالحرب الباردة بين الولايات المتحدة والصين لكن الكاتب يتناسى الأزمات المتكررة في العلاقات الأوروبية التركية والتي ما تزال موضع شد وجذب.

إذا تم تبني القيم الأوروبية وخيارات السياسة، بدءًا من الرقمنة والتقنيات الخضراء إلى التنمية والصحة، في جميع أنحاء العالم، فمن المرجح أن تزداد قدرة القوى الوسطى مثل تركيا على المساعدة في تدجين السياسة العالمية.

القوى الوسطى التي يجري التسويق لها بوصفها امتدادا لمطامح السياسة الأميركية وأهداف بايدن، انما هي محاولة تركية شبه يائسة لطمأنة النفس وتعظيم الشأن خوفا من تحول الاشارات غير المطمئة القادمة من واشنطن الى امرواقع لأن تركيا تحت حكم اردوغان هي قوة ليست مرنة بل قوة خاضعة لأهواء وتطلعات زعامة تريد العودة بتركيا الى عثمانيتها القديمة وهي ابعد ما تكون عن نظرية كانط وماكس فيبر بقدر ما هي خاضعة لأهواء اردوغان.                                                                  

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.