تركيا أحد أكبر مستهلكي برامج التجسّس في العالم

رفعت ثلاث منظمات غير حكومية ومنصة للحقوق الرقمية من ألمانيا، بما في ذلك مراسلون بلا حدود وجمعية الحقوق المدنية والمركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان، هذا الشهر دعوى قضائية على فين فيشر، إحدى الشركات الألمانية التي تقوم بتطوير وتسويق برنامج تجسس يطلق عليه اسم "فين سباي"، وذلك لتصدير برامجها بشكل غير قانوني إلى تركيا. وبدأ المدعي العام في ميونيخ تحقيقاً في التهم الموجهة إليها.

والقضية ليست جديدة بالنسبة لأولئك الذين يتابعون هذا المجال، فقد تم نشر تقارير على مدى سنوات عن استخدام برنامج "فين سباي" ضد المعارضة في تركيا. تستند هذه الحلقة الجديدة على ادعاء أن الحكومة التركية قد زرعت البرنامج على موقع مزيف يهدف إلى جذب الأشخاص المهتمين أو المشاركين في موقع آداليت على الإنترنت، والذي تم إنشاؤه في الأصل لتسهيل تنسيق المعارضة خلال مسيرات الاحتجاج لعام 2017.

ووفقاً للمزاعم، احتوى هذا الموقع على تطبيق أصاب أجهزة المستخدمين ببرنامج "فين سباي"، والذي يحتوي على العديد من القدرات التي يمكن أن تقوض تماماً خصوصية الأفراد الذين يستخدمون أجهزتهم، ما يتيح الفرصة للحكومة التركية لإساءة استخدام المعلومات لممارسة الضغط على شخصيات المعارضة. في هذه المرحلة، هذا ادعاء لا يزال قيد التحقيق، لكن من المعروف أن وكالات الاستخبارات والحكومات، وحتى الأطراف الثالثة تستخدم برامج التجسس بشكل روتيني في أغراض متعددة.

لا يكفل تثبيت برامج الحماية من الفيروسات أو حماية الخصوصية، الحماية من هذه الأدوات المصممة للالتفاف على هذه الإجراءات. بغض النظر عن نتيجة قضية المحكمة الألمانية، سوف تستمر مثل هذه الأدوات في الانتشار في المستقبل المنظور. فقبل ستة أعوام، وجد باحثون من مختبر سيتيزين لاب في جامعة تورنتو خوادم تشغل برنامج "فين سباي" في 25 دولة من بينها أستراليا وبريطانيا وكندا وألمانيا والهند وإندونيسيا واليابان وهولندا وقطر والولايات المتحدة.

وفي بعض الحالات، يحدث بيع واستخدام برنامج "فين سباي" عبر قنوات قانونية، ولكن في عصر لا يمكن فيه التحكم بشكل كامل في انتشار البرامج المعقدة والباهظة الثمن مثل الأسلحة النووية، فإن الإشارة إلى أن انتشار البرامج خارج السيطرة أمر صعب لأنه مرتبط بالأطر القانونية، ستكون مثيرة للسخرية. كانت هناك بالفعل تقارير متعددة عن جهات فاعلة تابعة للدولة تستخدم برنامج فين سباي لمراقبة سكانها وقمع المعارضة، كما يشير المثال التركي.

وبرنامج "فين سباي" ليس بأي حال الأداة الوحيدة التي تستخدمها الدول لمثل هذه الأغراض، إذ يُظهر تقرير آخر عن سوء الاستخدام، كشفه أيضاً مختبر سيتيزين لاب في عام 2018 أن برنامج تجسس يسمى "بيغاسوس"، طورته شركة "إن إس أو غروب" الإسرائيلية قد استخدمته عدة دول. كما وجد مختبر سيتيزين لاب أن 10 مشغلين على الأقل لبرنامج التجسس "يعملون فيما يبدو في المراقبة عبر الحدود". في المجمل، خلص التقرير إلى وجود إصابات ببرنامج بيغاسوس في 45 دولة.

وعندما يتعلق الأمر بانتشار برامج المراقبة، لا تكون الدول الجمهور الوحيد المهتم، فثمة سوق هائلة وفوضوية لمثل هذه الأدوات من الشركات إلى مجموعات المتسللين (أخلاقية أو غير ذلك) ومن المنظمات الإجرامية إلى المنظمات الإرهابية، ويحدث الانتشار على كل مستوى. في حالة برنامج بيغاسوس، فقد تم اتهام موظف سابق في إن إس أو غروب بسرقة برنامج التجسس ومحاولة بيعه مقابل 50 مليون دولار عبر مواقع الإنترنت الخفية.

وقد تم العثور على جزء كبير من شيفرة برنامج "فين سباي" وقد نسخته واستخدمته مجموعة المتسللين سترونغ بيتي، التي شنت العديد من هجمات أطلقت عليها اسم "مان إن ذا ميدل" في السنوات الأخيرة، لا سيما في تركيا (ولكن أيضاً في بلجيكا وإيطاليا وسوريا). بمعنى آخر، لم يكن على شركة فين فيشر أن تبيع أي شيء بطريقة غير قانونية لأي شخص، فقد يتم اختراق شيفرتها وأساليبها بواسطة إحدى مجموعات التسلل الإلكتروني العديدة.

لا يحدث الانتشار من خلال وسائل غير قانونية أو غير مشروعة فحسب. ففي عام 2016، وُجد أن شركة الاتصالات التركية (ترك تيليكوم) قد استخدمت أجهزة شبكات ساندفين/ بروكيرا ديب باكيت انسبكشن لتسليم برنامج "فين سباي" للمستخدمين الذين يريدون تنزيل تطبيقات ويندوز. وظهرت مزاعم مماثلة لشركة المصرية للاتصالات. وعندما أصبحت شركة بروكيرا التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها والتي تدير فروعاً في كندا والسويد، على دراية من خلال مهندسيها في السويد أن ترك تيليكوم تستخدم منتجاتها، استقال كبير المهندسين التقنيين كريس أندستين، وبعث بريداً إلكترونياً على نطاق في الشركة يقول "أنا لا أريد قضاء بقية حياتي للشعور بالندم لكوني جزءاً من جنون أردوغان، لذلك أنا مستقيل".

ووفقاً لمجلة فوربس، فإن الطلب الأولي الذي قدمته شركة ترك تيليكوم من خلال وكيل قد اعتبرته شخصيات بارزة في الشركة مشروعاً. ولكن اتضح أن ترك تيليكوم لم تطلب فقط أسماء المستخدمين وكلمات المرور، ولكنها طلبت أيضاً عناوين بروتوكول الإنترنت للمستخدمين، فضلاً عن قائمة بالمواقع التي زاروها.

وشبه باحثون في مجال أمن الكمبيوتر قوة البرنامج الذي تم بيعه إلى تركيا بأداة تستخدمها وكالة الأمن القومي في قدراتها.

إذا كنت تعتقد أن التهديد الأساسي لخصوصيتك يأتي من الشركات ووسائل التواصل الاجتماعي، ففكر في حقيقة أن دوافع معظم الشركات تنطوي على تحقيق الأرباح وأن الأدوات القانونية المتاحة لهم لا يمكنها جمع الكثير. وفي حين لا يُنظر إلى هذا الأمر ببساطة، فهو غيض من فيض. ماذا عن الأدوات القائمة من الألف إلى الياء على التجسس على كل أنشطتك، والمصممة لتجنب الرصد، والأدوات القادرة على قراءة جميع رسائلك، بما في ذلك الرسائل المشفرة، والأدوات القادرة على تحديد موقعك في أي وقت بدقة عالية، والأدوات التي لا تستطيع الوصول إلى معلوماتك الشخصية الأكثر حميمية فحسب، ولكن لديها القدرة على التصرف نيابة عنك باستخدام أجهزتك الخاصة؟ لا تنس أن هذه الأدوات تستخدمها في المقام الأول الجهات الحكومية التي تملك موارد ضخمة، بالإضافة إلى جماعات أخرى.

اتُهمت تركيا مراراً وتكراراً بانتهاك حقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في الخصوصية. في الأمثلة الثلاثة المذكورة أعلاه، كانت تركيا أحد أكبر مستهلكي برامج التجسس. هذا ليس من قبيل الصدفة.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضأً:

https://ahvalnews.com/turkey/uncontrollable-mess-proliferation-state-spyware
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.