تركض الجياد، ويموت الجنود، ويحكم الملوك

 

فقدت تركيا 13 جنديًا -وفقًا للسلطات الرسمية- في الأسبوعين الأخيرين نتيجة العملية العسكرية التي بدأتها قوات الأسد في إدلب. وبهذا التطور بات الثلاثي سورية-تركيا-روسيا على شفا حرب جديدة، وبدأت جميع المفاوضات والاتفاقيات المبرمة حتى الآن تفقد صلاحيتها.
الوضع الأخير الذي وقع في إدلب أظهر شيئًا آخر أيضًا؛ فقد رأينا أن الجهات الفاعلة يمكنها أن تواصل الحرب في نفس الوقت الذي تجلس وتتحدث فيه على طاولة المفاوضات.
وعلى الرغم من أن اللقاء الذي جرى مع ممثلي روسيا في أنقرة لم يُسفر عن توافق في الآراء، فإن قوات الأسد المدعومة من روسيا كانت قد بدأت بالفعل في إطلاق النار على الجنود الأتراك في إدلب بينما لا يزال الاجتماع منعقدًا.
وبهذه الطريقة، فإننا نرى مرة أخرى، وعلى الساحة السورية، أن العلاقات الدبلوماسية والسياسية بين الدول لا تستند إلى الانقسام والأعمال العدائية والصداقات المطلقة والأكيدة، وأنها تتسم بالمرونة ويُعاد ترتيبها من جديد وفقًا للتطورات والمواقف وسير الأمور.
حاليًا أميركا تدلي بتصريحات متتالية فيما يتعلق بوقوفها إلى جانب تركيا؛ لتخرج بذلك وفجأة من كونها قوة استعمارية تسعى إلى تقسيم تركيا، ويُنظر إليها من جديد على أنها حليف لتركيا. بالطبع إن هذا لا يُعتبر مفاجأة بالنسبة للعلاقات التركية-الروسية. لأن هذه العلاقة مثل البحر، قاعه هادئ حتى وإن بدا سطحه مائجًا.
وعلى الرغم من مقتل 13 جنديًا، وتصاعد التوتر وخطورة أن يقع في مواجهة مع صديقه المقاتل بوتين، فإن أردوغان يُكرر ويلح على أنه لن يخرج من إدلب. ويطرح ثلاثة أسباب كمبرر. لكن ذلك لا يخدم مصلحة أي مواطن في تركيا باستثناء سلطة أردوغان نفسه.
يقول إننا سنظل في إدلب للحدّ من الصراعات ومنع حدوث مأساة إنسانية، ولكن يحدث العكس تمامًا؛ إذ تزداد النزاعات، ويتصاعد التوتر، ولا تنتهي المأساة الإنسانية. ويقول إننا سنحمي أمن الحدود التركية، ولكن الحدود بين تركيا وإدلب لا تتعرض لتهديد من قبل قوات النظام، فضلا عن أنها تحولت إلى ممر تعبر منه باستمرار الجماعات الجهادية المسلحة التي يدعمها أردوغان في الأساس. والأهم من ذلك أنه يقول نريد منع موجة محتملة من الهجرة تنطلق من إدلب إلى تركيا. إلا أنه يوجد في الوقت الحالي حوالي 700 ألف شخص يتحركون بالفعل صوب تركيا.
وعلى الرغم من أن أردوغان يقول إنه سيظل في إدلب ضمانًا للاستقرار هناك، إلا أنه لا يزال السبب الأكبر لعدم الاستقرار والصراع والمأساة الإنسانية والهجرة.
إنه نفسه يعرف ذلك جيدًا، مثلما يعرف اسمه. ويرى أيضًا أنه لا يخدم مصالح المواطنين الأتراك. ومع ذلك، لا يزال يصر على الحرب ولا يبحث عن طرق للحوار والتفاوض المباشر مع الأكراد والأسد. إنه يسير وراء طرح غير منطقي من قبيل سأحمي الأراضي السورية ضد السوريين. فلماذا إذًا؟

أولاً: الدكتاتوريون الذين يحكمون بلادهم ومواطنيهم بالقمع والخوف والعنف، مثل أردوغان، لا يشعرون بالمسؤولية تجاه بلدهم ومواطنيهم ولا يتحملونها. المسؤولية الوحيدة التي يتحملونها هي مناهضة أنفسهم وأفراد أسرهم وأوساط التجارة والبيروقراطية المحيطة بهم. ليست هناك أيّة قيمة في نظر أردوغان وحزب العدالة والتنمية سواء للجندي الذي فقد حياته في إدلب أو في أي مكان آخر؛ ولا للمواطن الذي فقد حياته في الزلزال؛ ولا للمواطن الذي أحرق نفسه بسبب الجوع ومات. بالنسبة لهم، هذه الوقائع إما إنها استعراضات سياسية أو مؤامرات ضد الحكومة والزعيم، أو عواقب لا مفر منها بالنسبة للمصالح الوطنية.

ثانيًا: يعرف أردوغان أن ما ينقذه نفسه ويمدد حكمه لبضع سنوات أخرى إنما يتحقق من خلال النجاح في الحرب، حتى ولو بقدر صغير، وكسب الأراضي، وإذا لم يحدث ذلك، فبالبقاء الدائم في مناطق معينة من سوريا. لذا فإنه يخاطر، ويُصر على موضوع إدلب كي يستطيع أن يُسطر نجاحًا يُضاف إلى رصيد سلطته فحسب، إنه يريد أن يظل بصورة دائمة في سوريا ومناطق أخرى في روجافا التي كان دخلها من قبل، حتى ولو لم يكن هنا على الأقل.

 

بالطبع لا ينبغي للمرء أن يرفض التعليقات التي تعزو مباشرة إصرار أردوغان في إدلب إلى مكاسب الأكراد في روجافا، وأن الأمر يتعلق بالسيطرة على كوباني، التي أصبحت الآن تمثل أهمية رمزية للأكراد إزاء إدلب. وعلى أية حال، فإن أردوغان يتحمل جميع أنواع المخاطر حتى لا يعود خاوي الوفاض من سوريا.
إنّه يعلم تمامًا أنه في حال عودته خاوي الوفاض فإن المواطنين العادين الذين يدعمونه سيبدؤون في محاسبته، والتساؤل: إذا كنا لن نستطيع أن نأخذ أي شيء فلماذا مات جنودنا، ولماذا أُنفق هذا القدر الكثير من المال، ولماذا نُظَّمت كل هذه المعارك، ولماذا توجعت وتفجعت كل هذه الأرواح، وهو يُدرك حينها أن الدعم المقدم له سوف يضعف أكثر.
هذه هي الفرصة الأخيرة لأردوغان الغارق في مستنقع العجز. حالة روحية مرضية. إنها حالة روحية حيث يغرق أكثر في كل محاولة قتالية يضطلع بها من أجل الفوز دائمًا والنجاح وإنقاذ نفسه، وهي تُسَرِّعُ من نهايته في كل خطوة يخطوها.
نهايته تعني أن المجتمع، ونحن سوف نتنفس الصعداء، ولكنه سيترك حطامًا كبيرًا خلفه بينما يرحل، هذا واضح جدًا.
 

•    الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي "أحوال تركية".

•    يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

 

https://ahvalnews.com/tr/idlib/atlar-kosar-askerler-olur-krallar-yonetir
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.