تلفزيون "تي آر تي" كوكيل أجنبي في أميركا يثير جدلا

أعرب ممثل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا بشأن حرية الإعلام، هارلم ديسير، عن قلقه من قرار وزارة العدل الأميركية الشهر الماضي بإجبار هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية العامة "تي آر تي" على التسجيل في الولايات المتحدة كوكيل أجنبي للحكومة التركية.

وكشفت وكالة "تي آر تي" أنها تخضع لإشراف الحكومة التركية وتتلقى تمويلاً منها. يتطلب تسجيل الوكالة تقديم إفصاحات مالية عامة بشكل منتظم في الولايات المتحدة، وفقًا لقانون تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا).

وقال أيكان إردمير، مدير برنامج تركيا في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن "إن محطات البث العامة للأنظمة الاستبدادية غالبًا ما تعمل كأذرع دعائية تشوه وترهب وتهدد وتجرم الصحافيين المستقلين والأصوات المنتقدة الأخرى".

وقال إردمير لـ "أحوال" "علاوة على ذلك، غالبًا ما توفر هذه المنافذ غطاءًا مؤسسيًا لممارسة الضغط السري وأنشطة التدخل الإجرامي التي تهدف إلى تقويض الديمقراطيات الليبرالية والتحريض على الكراهية والتحيز".

وقال كاسي ميشيل، الصحافي والباحث الذي يغطي الموضوعات المتعلقة بقانون "فارا"، ومؤلف كتاب قادم بعنوان "أميركان كليبتوكراسي" أو "الفساد الحكومي الأميركي" "بشكل نظري، يجب ألا يغير تسجيل قانون فارا سلوك أي مسجّل. بفضل عوامل حماية التعديل الأول، تظل القدرة على بث المعلومات ونشرها وتغطية التطورات المتنوعة محمية على نطاق واسع في الولايات المتحدة". وقال ميشيل أن هذا هو أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت وسائل الإعلام الروسية مثل روسيا اليوم، وسبوتنيك قادرة على البث على نطاق واسع داخل الولايات المتحدة وسمحوا بنشر مجموعة من نظريات المؤامرة.

غير أن ديسير غرد بأنه يشعر بالقلق من خطوة تسجيل الوكالة كوكيل أجنبي، لأن "تسجيل ’فارا’ له تأثير تقييدي وسلبي على حرية الإعلام ولا يجب أن ينطبق على وسائل الإعلام من دولة أخرى مشاركة في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا".

وتعد منظمة الأمن والتعاون في أوروبا أكبر منظمة حكومية دولية ذات توجه أمني. وتمتد عضويتها إلى أميركا الشمالية وأوروبا وآسيا. وبالإضافة إلى حماية الحريات الصحافية، تتعامل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا مع قضايا تشمل السيطرة على الأسلحة والديمقراطية وتعزيز حقوق الإنسان.

وبصفته مراقب لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا على انتهاكات الحريات الصحافية عبر الدول الأعضاء في المنظمة، انتقد ديسير سابقًا قرار الولايات المتحدة بإجبار قناتي "روسيا اليوم" و"سبوتنيك" على تسجيل "فارا".

وفي تلك المناسبة، انتقد هاري كاميان، المندوب المؤقت للولايات المتحدة لدى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ديسير بأدب لانتقاده لتسجيل فارا في اجتماع للمجلس الدائم للمنظمة.

وأبلغ كاميان الهيئة "أشعر بضرورة تصحيح ما أعتبره رواية زائفة، والتي تتعلق بالهجوم على حرية وسائل الإعلام في الولايات المتحدة. تستمر منافذ روسيا الإخبارية ’آر تي’ و’سبوتنيك’ في البث بحرية في الولايات المتحدة. يهدف تسجيل فارا ببساطة إلى إضافة الشفافية من خلال التأكد من أن الجمهور الأميركي يعرف متى يكون مصدر المعلومات هي وكالة أجنبية".

وقال ميشيل إن التسجيل كوكلاء أجانب لم يكن له تأثير يذكر على المنظمات الإعلامية المعنية. وأضاف "هناك مخاوف حقيقية بشأن التأثير على بنود الحماية المحتملة للتعديل الأول، ولكن لا يبدو أن سلوك أي من هذه المنافذ، بما في ذلك ’آر تي’ و’سبوتنيك’، قد تغير منذ تسجيل فارا".

تم سن قانون فارا في عام 1938 لمكافحة انتشار الدعايا النازية والفاشية الأخرى القادمة إلى الولايات المتحدة. تم استخدامه بشكل محدود حتى السنوات الأخيرة، لكنه أصبح أداة شائعة بشكل متزايد يستخدمها المسؤولون الأميركيون الذين يتطلعون إلى معالجة التأثير الأجنبي الخبيث.

وقد كشف تحقيق مولر في التدخل الأجنبي في الانتخابات الأميركية لعام 2016 عن فشل العديد من المساعدين السابقين للرئيس دونالد ترامب في التسجيل كعملاء أجانب، بما في ذلك مستشاره السابق للأمن القومي مايكل فلين، الذي اعترف بممارسته ضغطه بالنيابة عن الحكومة التركية من دون تسجيل. ومنذ ذلك الحين، كان هناك تزايداً ملحوظاً في استخدام قانون فارا.

يقول منتقدو القانون، مثل ديسير، إن الأمر غامض للغاية، مما يؤدي إلى الاعتداء على حرية الصحافة والتخوف من أنه يمكن استخدامه لمطالبة بعض المنظمات غير الربحية بالتسجيل كعملاء أجانب بغض النظر عما إذا كان عملهم بالفعل يفيد قوة أجنبية أم لا.

وكون القانون محل جدل ساخن بين دعاة الديمقراطية وحقوق الإنسان، يرى البعض الآخر قانون فارا كآلية مهمة، حتى إذا كانت غير مكتملة، لزيادة شفافية الأنشطة السياسية المقنعة التي يصعب اكتشافها.

يقول ميشيل "لا يزال فارا واحداً من أفضل أدوات الولايات المتحدة والعالم لتحقيق الشفافية في عمليات التأثير الممولة من الخارج. كلما تم تطبيقه، كان ذلك أفضل".

وقال إردمير إن "انتقاد ديسير لتسجيلات القنوات الروسية تبعاً لقانون فارا كان يجب أن يذكر أيضًا كيف لعبت هذه المنافذ دورًا محوريًا في تقويض مساحة حرية وسائل الإعلام في دولهم".

ولا يتفق قليل من المنتقدين مع الدافع لاستخدام قانون فارا للكشف عن الجهود المبهمة التي تبذلها الحكومات الأجنبية لتقويض الديمقراطية الأميركية، لكنهم يشعرون بالقلق من أن إجراءات الإنفاذ المتزايدة قد تؤدي إلى انتهاكات للقانون.

وكتب نيك روبنسون، المستشار القانوني في المركز الدولي للقانون غير الهادف للربح، في مجلة فورين بوليسي في يوليو الماضي أن "القانون له تاريخ في تسليح الحكومة الأميركية والسياسيين لاستهداف المعارضين السياسيين".

وكتب روبنسون "قانون فارا مكتوب بشكل سيّء للغاية، والذي يوصم المنفذ الإعلامي بكونه وكيلًا أجنبيًا. ومن المحتمل أن يؤدي مجرد زيادة التنفيذ دون إصلاح القانون الأساسي إلى الارتباك وسوء المعاملة".

إذا تم إجراء تعديلات على القانون تساعده في استهداف عملاء أجانب ثبُت أنهم يؤثرون على الديمقراطية الأميركية، جادل روبنسون بأنه سيكون من الأسهل تنفيذه.

يمكن للإصلاحات أن تساعد في توضيح الجدل المستمر حول حالات تسجيل فارا بعينها مثل تسجيل وكالة الأخبار التركية "تي آر تي"، والأهم من ذلك، تقليل احتمالية إلحاق الضرر بالمنظمات والأفراد الشرعيين بسبب التحقيقات ذات الدوافع السياسية في الولايات المتحدة.

وقال ميشيل "إن انتقادات منظمة الأمن والتعاون في أوروبا منطقية ومباشرة ومن الواضح أنها صُنعت بحسن نية - وتستحق أن نضعها في الاعتبار. لا توجد إجابة سهلة، لكنني أفضل أن تخطئ وزارة العدل في جانب الإنفاذ والشفافية للكيانات الممولة من الخارج التي تستهدف الجماهير الأميركية، بدلاً من العكس".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزي أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-us/trts-foreign-agent-registration-us-sparks-debate
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.