ثلاثة صناديق زجاجية، السفاح والكاتب وزعيم المافيا

 

في السجن، يلتقي السجناء مع محامييهم في صف من الصناديق الزجاجية. خلال إحدى هذه الزيارات التي قام بها المحامي الخاص بي، كان سفاح يجلس في الصندوق الزجاجي على يساري وأحد قادة المافيا في الصندوق الآخر على يميني.
قد تصادف سفاحاً وزعيماً للمافيا في سجن شديد الحراسة في أي مكان في العالم، لكنني أظن أنه في عدد قليل فقط من بلدان بعينها، هل ستصادف هذا الثلاثي الاستثنائي، السفاح والكاتب وزعيم المافيا.
بالطبع، قد تجد في موقع الروائي أو الكاتب، محامياً يسارياً أو سياسياً كردياً أو صحفياً متديناً أو رجل أعمال يتولى مسؤوليات اجتماعية أو طالباً ثورياً. سيصنع كل منهم نفس الثلاثي المثير للاهتمام. ولا يمكن العثور على هؤلاء إلا في سجون بلدان بعينها.
في "سجننا" كان هناك عدد قليل جداً من زعماء المافيا، وكلما التقيت بهم، خلال لقاء مع محامين أو في طابور الانتظار أمام المشفى، أقول مرحباً وأسألهم عن أحوالهم باستخدام لغة الإشارة. في السجن، يلقي الجميع التحية على بعضهم البعض.
لقد ارتكب البعض منا جريمة خطيرة بإطلاق النار على شخص أو كتابة مقالة، ونتيجة لذلك، وجدنا أنفسنا في نفس المكان. كان مصيرنا المشترك هو الانعزال عن الحياة - لذلك لم يتأخر أحد مطلقاً في إلقاء التحية. ومع ذلك، لم أرَ أي شخص يلقي التحية على السفاح. ولم ينظر هو أبداً إلى أي أحد.
اعتاد أبي أن يقول إن القراء، كقاعدة عامة، لم يكونوا مهتمين كثيراً بأدب السجون وأعتقد أن ملاحظته كانت دقيقة وسط وجود استثناءات قليلة. لكن عندما يتم القبض على روائي بتهمة "إرسال رسائل مموهة" إلى متآمرين يدبرون انقلاباً ويُحكم عليه بالسجن مدى الحياة أولاً دون الإفراج المشروط بسبب دعم انقلاب عسكري وبعد ذلك يُحكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات ونصف، فإن هذه الملاحقة المرحة تثير بعض الفضول.
بعد الحبس لمدة ثلاث سنوات، تم السماح لي "بالخروج". في الأيام القليلة التي أمضيتها "خارج" السجن، أعطتني الأشياء التي سمعتها وشاهدتها شعوراً بأن الحياة قد تشتمل فقط على سجن ومستشفى للمجانين. يبدو الأمر كما لو أن أيديولوجية غريبة قد نسميها "الغوغائية" قد استحوذت على "الخارج" بأشكال مختلفة. لقد اخترقت حالة الجنون المتدنية نسيج المجتمع. لقد تم قلب التسلسل الهرمي الفكري للمجتمع رأساً على عقب، واكتسب الأشخاص الأقل فطنة ومهارة الحق في التحدث أكثر من غيرهم. وقد تم الحط من قدر الذكاء والمهارات والمعرفة والإبداع.
أحد أكثر الأسئلة إثارة للرعب للبشرية هي التي تحدد مكانة كل فرد في المجتمع: إلى أي مدى تحب وطنك؟ يحب الجميع وطنهم. إنهم يحبونه كالمجانين ويحبونه حتى الموت ومن أجل إثبات ذلك، فإنهم يواصلون الصراخ للتعبير عن أي مدى يحبون وطنهم. للسلطة السياسية القول الفصل فيمن يحب وطنه أكثر.
في هذه المنافسة المرعبة، لا يوجد مكان لأولئك الذين لم يفقدوا كل الحكمة والعقل. أيّ اعتراض معقول، وأي اعتقاد في القانون وحقوق الإنسان يكفي لإبعادك عن السباق. الأدب مُهان والمهارات مُهانة والإبداع مُهان، والحياة مُهانة في حين يُمجد القتل ويُمجد الجهل ويُمجد الولاء للسلطة. وقد غرس الغوغائيون أعلامهم في كل مكان.
الأمر الأكثر رعباً يتمثل في أن هذا قد بات ظاهرة دولية. الجنون الغوغائي يتصاعد في العديد من البلدان. ومع تراجع المستوى الفكري للمجتمع وفطنته، يتزايد العنف وكذلك الكراهية. في حشد من القمصان السوداء، يتم وضع الكتاب والفنانين والعلماء والمثقفين في موقف صعب. "الوطن" لا يحتاج إلى كتاب، بل يحتاج إلى جنود - جنود لا يطرحون الأسئلة، ولا يبدون أي اعتراض، يطيعون الأوامر فحسب.
هناك أشخاص يفسرون هذا الموقف المثير للشفقة نتيجة للتطورات الاقتصادية والخوف والغضب في مواجهة حقبة جديدة يشعر بها غير القادرين على التكيف مع التقدم التكنولوجي - ولا توجد سوى ذرة من الحقيقة فيما يقولون. ومع ذلك، أعتقد أن البشرية لديها مزاج الهوس الاكتئابي بنوبات من الجنون يجب أن تُخرجها من نظامها بين الحين والآخر قبل أن يتم علاجها. تتصارع البشرية مع الصراع الداخلي المتمثل في امتلاك الفطنة التي تتيح السفر إلى الفضاء والحماقة التي تسمى "القومية".
يشبه الكُتّاب في جميع أنحاء العالم بعضهم بعضاً بشكل أو بآخر، وكذلك القوميون. إنهم يزعمون جميعاً أن أمتهم هي الأفضل، ولا تتساءل أبداً عن الكيفية التي يمكن أن تكون بها كل هذه الأمم "الأفضل" في ذات الوقت. أفترض أن الحماقة المشتركة تبدأ بعدم طرح هذا السؤال.
ولأني أكبر سناً بكثير من قرائي، يمكنني أن أتحدث عن سابق تجربة أن الترياق الوحيد لهذا الجنون هو اتخاذ موقف حاسم في مواجهة القومية. يجب على كل من يشعر بالاختناق بسبب هذا الجنون أن يتحد في رفض القومية ويتحدث لتذكير إخوانه المواطنين بأن القومية هي أسوأ سُم للبشرية وأن المجتمعات التي تشرب السم ستمرض بالتأكيد.
تنتشر القومية في جميع أنحاء العالم مثل بقعة الشحم. ويتخفى انعدام الكفاءة والظلم والكراهية والعداء والفساد وراء السؤال: إلى أي مدى تحب وطنك؟
إنهم في كل مكان. في بعض البلدان، يسألون هذا السؤال بالفعل بثقة، في بلدان أخرى، ينتظرون اليوم الذي يشعرون فيه بالارتياح بدرجة كافية لطرح سؤالهم. القومية، مثل سحابة الإشعاع تتسرّب إلى جميع البلدان وتتزايد.
شاهدت فيلم (على الشاطئ) الذي يتناول مجموعة من الناس ينتظرون وصول الإشعاع إلى شاطئهم في أعقاب هجوم بالقنبلة الذرية. وكانوا قد رفعوا لافتة كبيرة كُتب عليها "لا يزال هناك وقت يا أخي". في نهاية الفيلم، مات الجميع ولم يبق سوى اللافتة.
انظر حولك وسترى هذه اللافتات أيضاً. "ما زال هناك وقت ..." كم من الوقت؟ إذا كان الكتاب والفنانون والمفكرون والعلماء والمحامون على وجه الخصوص لم يُبدوا مقاومة مشتركة في مواجهة الهجوم الذي تمارسه القومية الغوغائية في حين "ما زال هناك وقت"، سوف ينتشر إشعاع القومية في كل شاطئ ولن يبقى هناك أي مكان آمن على الأرض.
ثمّة صناديق زجاجية في كل بلد. قد تجد سفاحاً على جانب وزعيماً للمافيا على الجانب الآخر. انظر إلى الصندوق في المنتصف. اسأل نفسك ما هي الطريقة الأكثر أماناً لضمان عدم رؤية كاتب هناك. خلال أوقات معينة، لا يشغل الكاتب هذا الصندوق الأوسط فحسب، يمكن وضع كل شخص شريف يقاوم الغوغائية هناك.
لقد دعمني المثقفون الفرنسيون مع كثيرين في أماكن أخرى في السنوات الماضية. هذه المقالة تمثل تعبيراً عن الامتنان وتذكيراً لنفسي بما يجب فعله حتى لا أكون بحاجة إلى مساعدة الآخرين مرة أخرى. مازال هنالك وقت. نحتاج إلى استخدام هذا الوقت بحكمة حتى لا يكون مجرد لافتة باقية.
 
 
- كتب أحمد ألتان هذه المقالة لصحيفة لو موند الفرنسية خلال أيامه القليلة من الحرية في الأسبوع الماضي. ترجمت ياسمين جونغار المقالة عن اللغة التركية، ونُشرت للمرة الأولى على موقع بي 24 على الإنترنت.
 
- يُمكن قراءة المقالة باللغة الإنجليزية أيضاً:
 
https://ahvalnews.com/human-rights/three-glass-boxes