صعود تركيا، سياسة ملء الفراغ وتردّد الدول

لفهم تصرفات تركيا في الشرق الأوسط، نحتاج إلى إدراك مكانتها المحفوفة بالمخاطر في إطار الرأسمالية العالمية.

تقع تركيا على أطراف الرأسمالية العالمية، وتتمتع منذ فترة طويلة بعلاقات اقتصادية وسياسية وعسكرية مع القوى الغربية الكبرى.

 لكن في الوقت نفسه، وعلى مدى العقود الماضية، كانت تنتهج سياسة خارجية واقتصادية استباقية في الشرق الأوسط، وهي سياسة يمكن اعتبارها "شبه إمبريالية".

وقد أدى ذلك في بعض الأحيان إلى توتر بين تركيا والدول الغربية.

واصل حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا الترويج بقوة ليس فقط لمصالحه الاقتصادية ولكن أيضا السياسية والعسكرية بشكل كبير في سوريا وقطر، على الرغم من مواجهة الاحتمال الفوري لأزمة اقتصادية هائلة.

تُعزى السياسة الخارجية الحازمة لتركيا إلى أن حزب العدالة والتنمية يتمتع بنظرة "عثمانية جديدة" أو نظرة "إسلامية شاملة".

ذلك ما يقوله غوينش اويصال في موقع اوبن ديموكراسي، وما ذكره ينطبق على السياسة التركية القائمة على سد الفراغ واستثمار تردد الول في اتخاذ اجراءات رادعة لإيقاف الأطماع والتمدد التركي.

فمن وجهة نظر حزب العدالة والتنمية يلاحظ انه في  القرن الحادي والعشرين، تعطل ميزان القوى العالمي وفقدت المؤسسات الدولية الرائدة، مثل الأمم المتحدة، دورها في الحل السلمي للنزاعات الإقليمية والدولية.

وتزايد التفاوت في الدخل بين الدول، وفشلت الدول الغربية في كبح جماح الأزمات الطبيعية والاجتماعية. في غضون ذلك، احتلت كوريا الجنوبية واليابان مكانأ مرموقا  الصدارة على الساحة الدولية وكانت عين تركيا على هذه الدول سعيا منها لمكانة مشابهة.

بحلول نهاية الحرب الباردة، فقد الناتو أهميته. ومنذ ذلك الحين انهارت التحالفات التقليدية. اصطدمت مصالح الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؛ دخلت روسيا كقوة نووية والصين كقوة اقتصادية المسرح العالمي. وفي أوروبا، بدأت ظاهرة الإسلاموفوبيا والعنصرية في الارتفاع.

في ظل هذا الإختلال في موازين القوى برزت تركيا بوصفها قوة اطلسية مؤتمنة بامكانها سد الفراغ في الساحة الدولية وهو ما يؤكده الكاتب إحسان اكتاش في ديلي صباح.

برزت مناطق البحر الأبيض المتوسط ​​والشرق الأوسط كميادين رئيسية للصراع العالمي على السلطة. مع انتقال ميزان القوى من الغرب إلى الشرق، برزت الأهمية الجيوسياسية لتلك البلدان.

بينما توجه الإدارات الأمريكية انتباهها نحو منطقة آسيا والمحيط الهادئ، برزت تركيا وروسيا كقوتين متنافستين رئيسيتين في حوض البحر الأبيض المتوسط ​​والشرق الأوسط والقوقاز.

ويقلل الكاتب من شأن المنافسة بين تركيا وروسيا، قائلا، ومع ذلك، تتنافس تركيا وروسيا مع بعضهما البعض من خلال الاحترام المتبادل، وكثيراً ما تنتهي الخلافات بالتعاون في حل الأزمات الإقليمية. كلاهما يعتمد على تقاليد الدولة المتجذرة. في حين أن روسيا دولة أصغر سناً مقارنة بالإمبراطورية العثمانية، فقد انتقلت تركيا إلى دولة حديثة في الوقت الذي كانت فيه الإمبراطورية في أضعف حالاتها.

وأما على صعيد الجوار الجغرافي والوضع الإقليمي، فخلال العقد الماضي، تغلبت تركيا على سلسلة من الأزمات الوطنية والإقليمية. بعد أن كشفت إدارة أوباما الأمريكية عن استراتيجيتها في التعاون مع مجموعة وحدات حماية الشعب الإرهابية - الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني - انفصلت تركيا والولايات المتحدة عن طرقهما في سوريا.

خلال تلك الفترة، تعرضت تركيا لهجوم من حزب العمال الكردستاني وداعش وجماعة غولن الإرهابية. بعد هزيمة المنظمات الإرهابية الثلاث في البلاد وفي الخارج، عززت تركيا بيقظة هيكل الدولة القومية من خلال تبني موقف سياسي خارجي مستقل.

بالطبع تبرع ماكنة الدعاية الحكومية التركية في صناعة العدو ومن وجهة نظرها الخاصة فهي اذ تدعي قتال داعش فإنها تتغاضى عن فتحها الأجواء والمطارات لعبور عشرات الوف الارهابيين من كل انحاء العالم الى سوريا عن طريق الاراضي التركية ثم أن أنقرة لم تتوقف يوما عن التحالف مع جبهة النصرة، النسخة السورية من تنظيم القاعدة وأما مجموعة غولن فقد كان اردوغان حليفا اساسيا لها في الماضي ولكنه انقلب عليها.

تزامن صعود تركيا مع ضعف القوى الأوروبية القارية. كما حلل عالم الاجتماع الأمريكي إيمانويل والرشتاين، فإن احتكارات القوى الأوروبية في التمويل والإدارة والإعلام والتكنولوجيا والمعادن الثمينة تعاني من مشاكل خطيرة.

تركت المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي وسرعان ما هرولت انقرة لتوقيع اتفاقية للتجارة الحرة معها نكاية بأوروبا.

في غضون ذلك، يستمر نفوذ تركيا في الانتشار في منطقتها مستغلة  بنيتها الاجتماعية ، وتدخلها المباشرفي  الأزمات وقدرتها مواجهة الأزمات الاقتصادية والسياسية، وقوتها العسكرية القوية، والتقاليد الدبلوماسية المتجذرة، والإرث الثقافي الغني.

بينما نجد أن ابواق انقرة تقول انه  يحتاج اللاعبون الدوليون إلى بعض الوقت لتقدير مكانة تركيا العالمية الجديدة ومكانتها. في هذا الصدد، قد تكون إعادة تقييم روسيا الإيجابية لموقف تركيا في المنطقة نموذجا للولايات المتحدة وإسرائيل.

ختاما، ليس من الواضح كم سيحتاج الناتو والاتحاد الاوروبي من الوقت ليدركوا مخاطر التوسع التركي في مقابل ترددهما في اتخاذ القرار الصائب لكبح جماح أنقرة.

بالاشارة الى الكاتب مقال إحسان اكتاش في ديلي صباح.