نمو تركيا الاقتصادي المؤلم

أعلنت الحكومة التركية، يوم الإثنين، أن الاقتصاد التركي دخل التاريخ في 2020، وهي سنة شهدت أزمة صحية عالمية هائلة، من خلال تحقيق نمو بنسبة 1.8 في المئة، مما جعله يحتل المرتبة الثانية على مستوى العالم بعد الصين. وتدور محاولة تحقيق النجاح على مستوى الاقتصاد التركي في 2020 حول نتائج كهذه، حيث رافقت أزمة العملة وصدمة أسعار الفائدة وانهيار احتياطيات النقد الأجنبي التوسع. ويعدّ خلق هذا المزيج من الضرر الذاتي للاقتصاد مهارة نادرة لواضعي السياسات الاقتصادية.

وقد تحول فائض الحساب الجاري في 2019 إلى عجز بنسبة 5.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي. وتبع فائض سنة 2019، الذي وصفه وزير الخزانة والمالية السابق بيرات البيرق بأنه ناجح، أزمة عملة في السنة التي تلت وانكماشا اقتصاديا. وفي تطوّر لم يثر الدهشة، تحول ميزان الحساب الجاري إلى النطاق السلبي مرة أخرى في 2020  رغم عودة الاقتصاد إلى النمو، بسبب المشاكل الهيكلية المتجذّرة والسياسات غير السليمة.

كما انخفض دخل الفرد في تركيا إلى 8599 دولارا خلال العام الماضي، وهو نفس الرقم الذي كان عليه قبل أكثر من عقد. ولم يكن هذا الانخفاض ناتجا عن الجائحة، حيث تراجع الدخل منذ سنة 2013، بعد أن بلغ ذروته عند 12582 دولارا. وبلغت نسبة العجز في الميزانية إلى الناتج المحلي الإجمالي 3.4 في المئة خلال العام الماضي، وهو ما اعتُبر نجاحا معقدا. ففي العديد من الاقتصادات المتقدمة والنامية، أدت زيادة النفقات العامة بسبب التحويلات في الدخل المباشرة إلى مضاعفة عجز الميزانية إلى الناتج المحلي الإجمالي. لكن الحكومة التركية اختارت عدم تركيز سياسات دعم الوباء بإجراء تحويلات مباشرة إلى أولئك المثقلين بإجراءات الإغلاق، مما أبقى اتساع نسبة عجز الميزانية إلى الناتج المحلي الإجمالي محدودا.

في حالة تركيا، سُجّل النمو الاقتصادي بتشجيع المواطنين على الإنفاق أكثر بمساعدة القروض الرخيصة من البنوك التي تديرها الدولة، وتوظيف أسعار الفائدة الحقيقية السلبية، واستنزاف احتياطيات النقد الأجنبي لخلق انطباع بأن الليرة كانت أكثر استقرارا. وقد أدى الطلب الناتج عن هذا النمو غير المتوازن، مع انخفاض قيمة الليرة وارتفاع تكاليف المدخلات، إلى خروج التضخم عن السيطرة. فضغطت الحكومة على مسرّع التحفيز في الربع الثالث من سنة 2020، لدرجة أن البنك المركزي اضطر إلى رفع أسعار الفائدة بشكل حاد في الفترة المتبقية من العام لإعادة توازن الاقتصاد.

ونما الاقتصاد بنسبة 5.9 في المئة على أساس سنوي في الربع الرابع. ولم تكن هناك مفاجآت غير متوقعة نظرا إلى طبيعة البيانات المتاحة. وتم تعديل الانكماش الاقتصادي في الربع الثاني من 9.9 إلى 10.3 في المئة، مع  تحديث النمو من 6.7 إلى 6.3 في المئة في الربع الثالث. ويجب إلقاء نظرة على التفاصيل لفهم أسباب النمو.

تكمن النقطة الأولى اللافتة للنظر في أن النمو الريعي بنسبة 15.9 في المئة في الأشهر الثلاثة حتى سبتمبر، والذي تباطأ إلى 1.7 في المئة بالمقارنة مع الانكماش الحاد في الربع السابق، يبقى قويا نظرا إلى أن الحكومة فرضت إغلاقا ثانيا بسبب الوباء. وأظهر مدى تسريع الحكومة للنمو في السابق وكيفية استمرار آثار التحفيز في الربع الأخير.

وتشمل سمات البيانات البارزة الأخرى ما يلي:

-  تحوّل الإنتاج الزراعي إلى نطاق سلبي على أساس ربع سنوي في الأشهر الثلاثة الأخيرة من السنة، مع انكماش بنسبة 0.1 في المئة.

- نمو الصناعة بقوة. وتوسع الإنتاج بنسبة 2.3 في المئة على أساس ربع سنوي بعد قفزة بنسبة 30.8 في المئة في الأشهر الثلاثة حتى سبتمبر.

- انكماش كبير في قطاع البناء. فبعد نمو بلغ 3.6 في المئة في الربع الثالث، انكمشت الصناعة بنسبة 11.4 في المئة في الأشهر الثلاثة الأخيرة من سنة 2020.

- تراجع الاستهلاك المنزلي بمعدل ربع سنوي يبلغ 0.8 في المئة بعد ارتفاعه بنسبة 21.9 في المئة في الربع الثالث.

- تواصل الإنفاق العام السريع، حيث سجلت توسعات ربع سنوية بنسبة 3.7 و3.6 في المئة في الربعين الثاني والثالث من سنة 2020.

- تلاشي الزخم في نمو الاستثمار. فبعد أن قفز بنسبة 20.2 في المئة في الربع الثالث، انكمش بنسبة 2.7 في المئة في الأشهر الثلاثة الأخيرة.

- ارتفاع الصادرات بنسبة 19 في المئة فصليا من أكتوبر إلى ديسمبر مقارنة بالربع السابق. وارتفاع الواردات بنسبة 0.2 في المئة فقط بسبب تباطؤ الطلب المحلي.

وتشير البيانات المنشورة خلال الأسبوع الحالي إلى أن الاقتصاد سيتوسع بمعدل سنوي يتراوح بين 4 و5 في المئة في الربع الأول من هذا العام. وستمنع صدمات السياسة الخارجية المحتملة، لا سيما المتعلقة بقضية بنك خلق في الولايات المتحدة والعقوبات الأميركية المحتملة لشراء تركيا لصواريخ إس-400 من روسيا، ارتفاع الليرة إلى أقل من 7 مقابل الدولار على نحو مستدام. وسيستمر البنك المركزي في الحفاظ على أسعار الفائدة مرتفعة نسبيا على مدار السنة. وربما لن يستهدف سعر الفائدة إلا في الربع الرابع حين يبدأ التضخم في التباطؤ.

يتوقع صندوق النقد الدولي أن ينمو الاقتصاد التركي بنسبة 6 في المئة هذا العام، مما يرفع توقعاته من الـ4 في المئة السابقة. ويبدو هذا التقدير واقعيا، كما هو الحال بالنسبة لتوقعات التضخم بنحو 11 في المئة وعجز الحساب الجاري بنسبة 4.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-economy/turkeys-painful-economic-growth
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.