متى توقف حكومة أردوغان العنف ضد المرأة

بدأت الدولة التركية في الآونة الأخيرة معالجة مستويات العنف الصادمة ضد المرأة، والتي تسببت في مقتل أكثر من 470 امرأة في عام 2019، ومشاركة المرأة المنخفضة في سوق العمل بشكل مثير للشفقة. بيد أن محللين يتساءلون ما إذا كانت السلطات قادرة على التغلُّب على الثقافة السائدة والتوجهات الإسلامية للحزب الحاكم في البلاد.

ووفقاً لبيانات أعطتها وزارة الداخلية للبرلماني المعارض عمر فتحي غورار، فإن عدد النساء ضحايا العنف في تركيا ارتفع بنسبة 50 في المئة من 145 ألفاً في عام 2015، إلى نحو 220 ألفاً في عام 2018.

وفي اليوم الأول من العام، أعلنت تركيا سلسلة من الإجراءات للحد من العنف ضد المرأة، سيتلقى رجال الأمن في إطارها تدريباً خاصاً. أيضاً، ستُشكّل وحدات خاصة في الشرطة والدرك لمكافحة العنف ضد المرأة، وستتأسس محاكم خاصة ولجان محلية لإنفاذ قانون حماية المرأة التركي لعام 2012، وسيخضع الرجال المدانون بارتكاب جرائم عنف لمراقبة مستمرة باستخدام شرائح إلكترونية.

وقالت إلميرا بايراسلي – المؤسس المشترك لمنظمة (فورين بوليسي إنترَّبتد) المناصرة للمرأة في وسائل الإعلام، والمُحاضِرة في كلية بارْد في جامعة مدينة نيويورك – إن هذه الإجراءات لا تُعالج القضايا الجوهرية المتمثلة في إجبار المرأة على الاضطلاع بأدوار تقليدية، وفشل الحكومة في إنفاذ القوانين ذات الصلة.

أضافت في تدوينة صوتية لموقع أحوال تركية أن "كون الحكومة تأخذ هذا الأمر بمحمل الجد، فهذا أمر إيجابي... لكن الواقع هو أن استمرار العنف ضد المرأة في تركيا نتيجة مباشرة للتراخي في إنفاذ القانون ضد مرتكبي العنف ضد المرأة".

وعبّر تقرير أصدرته لجنة المرأة في جمعية حقوق الإنسان التركية عن هذا الرأي. وذكر التقرير أن "أحد الأسباب التي تجعل مثل هذا العدد الكبير من النساء تقعن ضحايا للعنف هو التراخي، بل ومنع المؤسسات المعنية من إنفاذ القوانين السارية".

وفي عام 2011، أصبحت تركيا أول الموقّعين على اتفاقية إسطنبول، والتي تهدف إلى مكافحة العنف ضد المرأة. وفي العام التالي، سنّت قانوناً قوياً لمكافحة العنف المنزلي، لكنّ هذا التشريع لم يُطبّق إلى حد كبير، لأسباب كان من بينها أن الإسلاميين الأتراك يرون اتفاقية إسطنبول وقانون عام 2012 مهدِّدان لكيان الأسرة.

وأقرت بايراسلي بأن حزب العدالة والتنمية الحاكم يميل إلى دفع المرأة نحو الاضطلاع بدورها التقليدي كأم وزوجة تقوم على خدمة أسرتها. وانتقدت جماعات نسوية وتقدمية الرئيسَ رجب طيّب أردوغان، بسبب تشجيعه النساء على إنجاب ثلاثة أطفال والقيام بواجبهن الوطني. لكنها قالت إن ما فعله أردوغان لم يقتصر على هذا.

وأردفت قائلة إنه "أيضاً حمى المرأة وحقها المفترض في الاختيار بين ارتداء الحجاب أو خلعه، وشجعها على الاضطلاع بدور أكثر نشاطاً، سواء في الحكومة أو في المجتمع المدني".

وما زالت هناك ثغرات قانونية وقوانين محافظة تجعل الكثير من النساء عرضة للعنف. على سبيل المثال، كان هناك مشروع قانون في عام 2016 يهدف إلى العفو عن مرتكب جريمة الاغتصاب إذا تزوج ضحيته، حتى وإن كانت الضحية قاصراً.

وتعهدت الحكومة مراراً وتكراراً باتخاذ إجراءات صارمة ضد العنف المنزلي. لكنها تعمل باستمرار على إسكات صوت النساء، كما فعلت عندما فرّقت مظاهرات خرجت في الشهر الماضي، واعتقلت متظاهرين بسبب ترديدهم لكلمات نسخة تركية من أغنية الاحتجاج التشيلية "مغتصب في طريقك". فيدان أتاسليم، السكرتير العام لمنصة (سنوقف قتل النساء) المدافعة عن حقوق المرأة، كانت من بين المعتقلين. وقالت أتاسليم في تدوينة صوتية لموقع أحوال تركية إن النساء في تركيا يثقن في منظمتها أكثر مما يثقن في الشرطة وفي نظام العدالة.

ولتسليط الضوء على مزيد من جرائم العنف، شجّعت وزارة الداخلية حكام المناطق على العمل مع القيادات المحلية والمعلمين والشخصيات الدينية من أجل رصد الحالات التي تمثل عنفاً ضد المرأة، حتى وإن لم يتم الإبلاغ عنها. وترى بايراسلي أن هذا النهج يسلط الضوء على مدى عدم قدرة المرأة التركية على الدفاع عن نفسها وحاجتها إلى حماية.

وقالت "الاستعانة بمعلّم أو إمام محلي لمراقبة الوضع، بدلاً من أن تتقدم المرأة بشكواها، يضع المرأة من جديد في هذا الإطار الذي يجعلها تبدو في صورة الطرف الضعيف، غير القادر على الذهاب إلى الجهات المعنية وتقديم شكواه بنفسه".

في ثاني أيام عام 2020، أعلنت تركيا عن خطط لتعزيز نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل، والتي تبلغ حالياً 32 في المئة – أي ما يزيد قليلاً عن نصف المعدل المتوسط لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. تشمل الإجراءات الجديدة ساعات عمل مرنة، وإجازات أطول، وخيارات للعمل عن بعد، وتمديد الرعاية النهارية، فضلاً عن توفير التدريب على ريادة الأعمال للمرأة.

ورحّبت بايراسلي بأي إجراء من شأنه تشجيع المرأة على العمل، لكنها قالت إن الإجراءات فشلت في معالجة ثقافة ازدراء المرأة وعدم الرغبة في تشغيلها في القطاع الخاص. وأشارت إلى أن الحكومة تعاملت مع القضية من منظور ضيق للغاية.

وتساءلت "ما هي بيئة العمل المثالية التي تشمل الجميع، وتجعل الناس يشعرون أن بإمكانهم تحقيق طموحاتهم بغض النظر عمّن هم؟"

وتركيا ليست وحيدة في هذا. تقول بايراسلي إنها التقت بالكثير من النساء العاملات اللاتي عُدْن إلى تركيا قادمات من الغرب، بسبب ظروف العمل الأفضل، خاصة فيما يتعلق بالتكاليف. وأشارت إلى السويد، التي تحتل القمة بشكل مستمر فيما يتعلق بالمساواة بين المرأة والرجل، لكن عدداً قليلاً جداً من النساء فيها يشغلن مناصب تنفيذية، وفي الوقت ذاته يقل عدد رائدات الأعمال فيها بكثير عن تركيا. أشارت أيضاً إلى وادي السيليكون، حيث قالت إن قطاع التقنية، الذي يهيمن عليه الذكور، خلق بيئة سيئة تُستبعد فيها المرأة.

وأقرت بأوجه القصور في تركيا قائلة "نريد أن نشير إلى تركيا... انظروا كيف تبدو الأمور فظيعة... لكن أعتقد أن من المهم جداً أن ننظر إلى دراسات الحالة، مثل السويد ووادي السيليكون، حيث الوضع ليس بأفضل حالاً على الإطلاق".

وهناك بعض الإشارات الجيدة في مواقع العمل التركية. فقد انتخب نادي قيصري سبور الشهر الماضي بيرنا غوزباشي كأول امرأة ترأس نادياً لكرة القدم من الدرجة الأولى. وتبحث لجنة برلمانية فرعية في تركيا وسائل لتوجيه المزيد من النساء الشابات إلى وظائف في قطاعات العلوم والتقنية والهندسة. وستُفتتح أول جامعة تركية للنساء فقط قريباً في محافظة هاتاي في الجنوب.

وفيما يتعلق بتشديد إنفاذ القانون، فقد أشادت جماعات نسوية بقرار أصدرته محكمة تركية الشهر الماضي بسجن المتهم الرئيس في قضية اغتصاب الطالبة شولي تشيت (23 عاماً) وقتلها. وكانت تلك القضية اعتُبرت في البداية قضية انتحار. وقضت محكمة في هاتاي هذا الأسبوع بسجن رجل 13 عاماً وستة أشهر بتهمة الاعتداء بمادة حارقة على سيدة عمرها 19 عاماً، في هجوم أفقدها البصر في إحدى عينيها.

وترى بايراسلي أن هذه إجراءات هزيلة، وأنه لن يكون هناك تحول كبير في تركيا قبل أن تتسع دائرة الاعتراف بأن هناك تهميشاً للمرأة في أنحاء العالم.

وقالت "لا يمكننا أن نحصر تناولنا للموضوع في الكيفية التي تتعامل بها ثقافة ما مع شعوبها. يجب أن نتناول الموضوع من زاوية أوسع تشمل كيفية معاملتنا للنساء على كافة المستويات، وسبل زيادة إنتاجية المرأة ودمجها بصورة أكبر في المجتمع العامل... ليس هذا بالأمر الذي يمكننا أن نُحمّل الثقافة التركية المسؤولية عنه".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-women/can-turkey-curb-violence-against-women-and-put-more-women-work
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.