من المُحِقُّ؟ الأتراكُ، أم اليونانيون ...

إذا شاهدتم القنوات التلفزيونية وسمعتم السياسيين، وقرأتم الصحف ومؤلفات الأكاديميين في كلا البلدين، فإن كل بلد على حق بنسبة 100%. والواقع، أنكم إن استكشفتم الساحة بعناية يخرج بضعة أشخاص في بعض الأحيان، فيَجْرَحون قليلًا هذا الرأي المطلق. ولكن ما أهمية أن يُفكر بطريقة مختلفة بضعة أشخاص من بين ملايين الناس، حتى وإن قلنا هذا كثيرًا؟

لا أنسى أبدًا أن القنوات التلفزيونية اليونانية حين كانت تعرض الأخبار المتعلقة بتركيا، في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، كانت السفن والطائرات الحربية تظهر في الخلفية. بالإضافة إلى ذلك، كان يظهر أتراك بلباس عسكري يقولون بعض الأشياء، وكان المعلقون يكذبونها باللغة اليونانية. أما بعد عام 1999، أي بعد "الزلازل"، فلم يكن مشهد المعركة يظهر في خلفية الأخبار. وكأن الزلازل هزت الناس وأفاقتهم.

"فهل صارت الزلازل تتحكّم بشؤوننا في البحر الأبيض المتوسط؟".

الوضع الحالي يُذكِّر بما كان في الماضي، ولكن هناك بعض الاختلافات؛ لأننا صرنا نرى الصواريخ بينما نستمع إلى الأخبار، وهذه أسلحة معاصرة يتم إطلاقها من السفن، وتم تطويرها مؤخرًا. والأسلحة الثقيلة للسفن أيضًا تصل بسرعة مدهشة إلى الهدف. من الواضح أنها تعمل بأجهزة إلكترونية تعتمد على الرادارات. وهذا يعني أنه تم اتخاذ خطوات مهمة وحدث تطور وتقدم في هذا المجال في بضع سنوات.

بالإضافة إلى ذلك صار رئيس الجمهورية أردوغان هو منْ يتحدث، وليس العسكريين. ونقرأ على شريط الأخبار ترجمة ذلك باليونانية. لكن ما لا يعجبني في هذا الأمر هو أن الكلام والكتابة التي على شريط الأخبار غير متزامنين: ففي بعض الأحيان تتغير الخطة قبل اكتمال العبارة؛ لأن المكتوب مجرد ملخص.

القنوات التلفزيونية التركية، على الأقل، لا تنقل أبدًا ما يقوله اليونانيون، ولذلك لا تتوتر أعصاب الإنسان. وإنه من المفرح بالطبع أن يتوافق المعلقون فيما بينهم، فلا يصدر أي صوت مختلف. الوحدة والاتحاد، كما أن ضمان الولاء للـ “رئيس" يُعتبر فضيلة وطنية أساسًا.

في هذا الموقف، يشعر الناس في كلا البلدين بالراحة في شيء واحد على الأقل. أي إن ضميرهم مطمئن! بالطبع يشعر بالراحة من يعتقدون أنهم على حق.

أما من يرتكبون خطأ الاستماع لكلا الطرفين فوضعهم مختلف قليلًا. أودّ لو قلت إن أذهانهم تبدأ في العمل والتفكير، ولكن أذهان معظمهم ترتبك في الحقيقة. هل يمكن أن يكون كلا الطرفين محقًا؟ يبدو الأمر وكأنهم يفكرون "ربما". "أحيانًا، قد يكون كلا الطرفين محقًا جزئيًا في بعض الأمور." ولكنهم يستطيعون الاسترخاء فورًا والخلود إلى نوم هادئ، واعتقادهم "إننا دائمًا محقون تمامًا، وفي جميع الأمور".

وهل يليق في مقام هكذا ألا يتذكر المرء الروائي سعيد فائق! وقد كتب قديمًا هكذا:

"الفكر واحد، واحد مثل الله... بصفتك تركياً في مدينة تهتز منذ أسابيع بشائعة حول كرة القدم، لقد حرمت من الحق في تشجيع المنتخب الوطني اليوناني.. حتى ولو أردت أن تقول شيئًا، كلامًا، وليس حتى فكرة بريئة وفاضلة وغير ضارة أبدًا، فإنك لا تستطيع. فمثلًا لو أن المنتخب الوطني ذهب إلى اليونان وقلت لمجرد الخيال، ودون أن تكون هناك أية فكرة مطروحة على الساحة "ما أجمل لو هُزم منتخبنا الوطني لكرة القدم في اليونان" فإنك لا تستطيع قول ذلك. بداية يُعتقد أنك تمزح. فإن تقل فكرتك الصعبة هذه بطريقة جدية ألا تتوقع أن يتحير ويندهش لك الآلاف في الشارع؟ ليس الاندهاش فحسب، بل قد ينبري من يضربك. يمكنك أن تكون بريئًا كما تريد."

عندما يقول "لا تستطيع أن تقول" لا يريد أن يقول "لا تستطيع أن تكتب"، وإنما كلامه بمعنى "لا تستطيع أن تنشر" (كليات سعيد فائق، دار نشر بيلغي، 15، 1989، ص 21). يُحتمل أن ذلك كُتب عام 1950. وهي واحدة من المقالات التي عُثر عليها بين مذكراته بعد وفاته. هذا يعني أن إسطنبول كانت هكذا آنذاك: كانوا راضين فحسب بضرب من يقول ذلك. حرية التفكير في تركيا كانت كاملةً دائمًا، الشيء الوحيد المفقود هو حرية التعبير عن الرأي فقط. بعض الناس لا يكتفون بالتفكير في الأمر فحسب، بل سيتحدثون بالتأكيد.

دعونا نعود إلى موضوعنا. فمن الواضح أنه في السنوات المقبلة سيتغذّى من جديد جيل آخر بهذه الصور التلفزيونية وهذه التعليقات الصحفية. وعندما يسمعون اسم "الآخر" سيأتون بردود الفعل المتوقعة والمطلوبة والمُعلَّمة لهم، تمامًا مثل تجارب إيفان بافلوف في نظرية الاستجابة الشرطية.

وستنشط الحلقة المفرغة مرة أخرى. وسيقوم البعض، باعتبارهم أصحاب فكرة معينة، بغرس "فكرهم" في المجتمع، أي في طلابهم وقرائهم وجمهورهم وأطفالهم في المنزل، وفي أحفادهم، وسيفعلون هم ذلك بدورهم. ربما وهم ينتظرون حدوث زلزال عند الطرفين.

الشعب كله قبضة واحدة؛ هكذا يكون الأمر. وحين يكون هناك وحدة واتحاد في الرأي يستحيل أن يوجد أصلًا رجل مثل سعيد فائق (عنوان مسودة قصته "رجلٌ"). أي إنهم لا يسمحون له بالحياة. حين يكون الشعب مثل الجيش فلا يمكن الخروج عن السياق.

كما أن السؤال "منْ المُحِقُّ؟" يصير بلا معنًى، بل إنه يبدأ في الضغط على حدود الإهانة والخيانة لاحتوائه على الشك. كيف يمكن أن يخطُر على الأذهان طرح سؤال هكذا؟ بالطبع، "نحن" على حق! خاصةً إذا بدأ إطلاق الرصاصات الأولى، فإن الصمت ذاته ليس ممكنًا. حتى إن هؤلاء الأشخاص القلة يتوارون لدرجة أن الواحد منهم لا يبوح بأفكاره لزوجته، ولو حتى بصوت منخفض.. لمجرد أن للجدران آذاناً.. بالعكس يغردون مع السرب، على الرغم من أنهم لا يريدون ذلك.

أيام الحرب هي فترة الوحدة والاتحاد. أجمل حلم للعديد من السياسيين في السلطة هو تحقق هذا التناغم الاجتماعي. إنها الفترة التي تكون فيها المعارضة صامتة. والتصفيق لصالح من يرسل الشباب إلى الموت؛ فالعقلاء لا يتحدثون، ولا يُحاسبون، ولا يتدخلون فيما لا يعلمون، ويتركون هذه الأمور لكبارنا.

ولا ننسى ضرورة أن نضع في اعتبارنا ما يعنيه هذا إذا قام المتآمرون الأجانب بمعارضتنا "نحن" في مثل هذه الفترات: إنهم لا يوافقون على ما نفعله لأنهم يشعرون بالغيرة والخوف. ليس لدينا أصدقاء إلا أنفسنا! وقد قال أسلافنا "إن الماء يصفو والعدو لا يصفو أبدًا، يموت الحصان ويبقى الميدان، يموت البطل، ويخلد المجد! إلخ...

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/turkler/kim-hakli-turkler-yunanlilar
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.