عمليات التطهير كديناميكية للحفاظ على الولاء لأردوغان

في حقبة ما بعد الانقلاب، أصبح الولاء السياسي للرئيس رجب طيب أردوغان أولوية قصوى في سياسة التوظيف في المجال الحكومي التركي. كان هذا واضحًا في ترقية بعض الضباط، الذين أدين العديد منهم في قضيتي "إرغينكون" و"سليدج هامر".

اعتُبرت الأحكام الموجهة ضدهم رمزًا ينفي أي انتماء لحركة غولن. وفي إعادة تصميم البيروقراطية، اعتمدت حكومة حزب العدالة والتنمية على عدة مجموعات متباينة: الموالون لأردوغان من فرع الشباب في حزب العدالة والتنمية، والقوميون الأقرب أيديولوجيًا إلى حزب الحركة القومية اليميني المتطرف وأعضاء العديد من المجتمعات الإسلامية والبراغماتيين الذين ليس لديهم هوية أيديولوجية أو سياسية واضحة.

والأهم من ذلك، أن عددًا من القوميين المتطرفين والأوروآسيويين المرتبطين بالحزب الوطن بقيادة دوغو برينجيك يجدون طريقهم للعودة إلى جهاز أمن الدولة.

أصبح المعسكر الأوروآسيوي، الذي يضم أعضاء من مختلف شرائح المجتمع التركي والجيش والإعلام، مؤثرًا بشكل خاص منذ الانقلاب الفاشل. يتم وصف أعضاء هذه المدرسة بأنهم موالين لروسيا، وفي بعض الأحيان يتفقون مع الصين وإيران مع فكرة تقليص الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.

لكن الشرط المسبق لهذه السياسة كان تطهير العناصر غير المرغوب فيها الموجودة من الطبقات البيروقراطية من خلال عمليات التطهير. كانت هذه، في الواقع، جزءًا من عملية قمع ما بعد الانقلاب، والذي تم "إضفاء الشرعية" عليها بإعلان أردوغان حالة الطوارئ. ومنذ عام 2016، وصل حجم عمليات التطهير التي نفذت بعد الانقلاب إلى مستويات غير مسبوقة، بما في ذلك إقالة حوالي 50 بالمئة من جميع الأدميرالات والجنرالات في الجيش، ونحو 18 ألف ضابط آخر، و 4 آلاف قاضٍ ومدعي عام، وأكثر من 10 آلاف ضابط شرطة، وأكثر من 8 آلاف أكاديمي، وحوالي 28 ألف معلم وحوالي 145 ألف موظف عام.

وتجدر الإشارة إلى أن عمليات التطهير هذه لم تكن مجرد أداة للقمع ضد الجماعات المنشقة التي تضمنت أتباع غولن، ولكنها عملت أيضًا كمكافأة بالنسبة لبعض الفصائل المختارة.

وفي تفصيل قوائم التطهير، احتاج النظام إلى نظام دعم استخباراتي ومعلوماتي حول "ماهية" هذا المشتبه به، حتى يقرر من سيرفض ومن يحتفظ به. وقدم نائب الرئيس وشبكة استخباراته الملاحظات اللازمة في هذا الصدد.

إن إلقاء نظرة فاحصة على أسماء أعضاء حزب الوطن يظهر بوضوح الطبيعة الاستخبارية المكثفة للحزب. فأعضاء الحزب هم رؤساء استخبارات سابقون في قيادة الأركان العامة التركية والبحرية والدرك. وفرت القدرة الاستخباراتية لحزب برينجيك بيانات لا يمكن لأردوغان أن يستغني عنها لتمكينه من تطهير الكوادر المعارضة من جهاز الدولة قبل إعادة هيكلته.

وبعد شهرين من الانقلاب، صرح برينجيك أن "زملائه في الحزب" قاموا بفحص ومقارنة قوائم التعيينات الجديدة للمناصب العسكرية العليا بالقائمة التي لديهم، وأنهم سعداء لمعرفة أنها "تتطابق بنسب حوالي 90- 100 بالمئة".

ومع ذلك، من المهم أن نلاحظ أن اختيار أردوغان للشبكة الأوروآسيوية لم يكن حدثًا لا رجوع فيه وغير مشروط لأنه سياسي ذكي، ولا يترك نفسه بلا حماية ضد الموظفين الجدد. وبعد أن نجح في تطهير وإقالة عشرات الآلاف من الأشخاص بناءً على القوائم التي صاغها حليفه القومي المتطرف وملأ هذا الفراغ بالأوروآسيويين والقوميين المتطرفين، أصبح أردوغان مدركًا جيدًا أنه يتعرض لتهديدات محتملة ضد سلطته التنفيذية ومنصبه، والتي قد تأتي من المعيّنين الجدد الذين كانوا أعداؤه السابقون المتحولين إلى أصدقاء.

ولأجل تجنب أي تهديدات محتملة من جانبهم، بدأ أردوغان اعتبارًا من عام 2018 فصاعدًا في تنفيذ حملة تطهير أصغر وانتقائية لاستمرار القمع هذه المرة ضد الأوروآسيويين / القوميين المتطرفين. وفي هذا الصدد، كان تخفيض رتبة القائد القوي للجيش الثاني خلال عملية درع الفرات، الجنرال متين تميل، في ديسمبر 2018 من قبل أردوغان (وربما أيضًا بمبادرة من وزير الدفاع خلوصي أكار) بمثابة جرس إنذار للقوميين المتطرفين.

ما تلا ذلك كان إقالة العديد من ضباط العلم في اجتماعات المجلس العسكري الأعلى 2018 و 2019. ومن المثير للاهتمام أن جميع هؤلاء الضباط رفيعي الرتب المفصولين تقريبًا قد أدينوا وصدرت عليهم أحكام في قضيتي "إرغينكون" و"سليدج هامر". وكان من بينهم، على سبيل المثال، الجنرال نريم بيتليزلي أوغلو، الذي عُرف بصياغة تقرير خبراء هيئة الأركان العامة عن محاكمات الانقلاب التي أعقبت عام 2016. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن دار النشر "كايناك" التي يمتلكها برينجيك نشرت تقريره في شكل كتاب وأطلقت عليه اسم "الخط الأيديولوجي للقوات المسلحة التركية اليوم". تمت ترقية بيتليزلي أوغلو إلى رتبة عميد في عام 2016 في أعقاب الانقلاب.

وقال العقيد المتقاعد مصطفى أونصل، وهو من أتباع برينجيك المخلصين، على قناة "أودا تي في" الموالية لبرينجيك بعد هذه الإقالات إنه يعرف شخصيًا كل هؤلاء الجنرالات وأن أياً منهم لن يخون القيم الجمهورية. ومن خلال إقالة هؤلاء الجنرالات الوطنيين، طالب أونصل بمعرفة من أصبح الآن هدفًا لحركة غولن ومن كان الرئيس أردوغان "يرسل قبلة له؟".

وفي الآونة الأخيرة، أدى خفض أروغان لرتبة الأدميرال القوي جهاد يايجي في مايو 2020، والذي كان معروفًا بكونه أحد أبطال عمليات التطهير المعادية لغولن وبدعم من الشبكة الموالية لبرينجيك، إلى زيادة القلق في الأوساط الأوروآسيوية. ومع ذلك، فإن قمع هذه الكوادر تعد أيضا استراتيجية محفوفة بالمخاطر، لأنها قد تسبب رد فعل مضاد.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/eurasianists/turkeys-clandestine-networks-and-erdogans-authoritarianism-purges-dynamic-co-opting
This block is broken or missing. You may be missing content or you might need to enable the original module.