ملحمة جو النعسان مع أردوغان

كانت الطريقة التي تعامل بها الرئيس الأميركي بايدن خلال أول لقاء له مع الرئيس التركي أردوغان كمشهد من فيلم "ملحمة بستر إسكريجز" للأخوين كوين. فقد وعد الرئيس المنتخب حديثا  بصفقة جديدة، واستعادة القانون والنظام والتعامل مع الأشرار.

وكان لقاء بايدن الأول مع الزعيم الروسي فلاديمير بوتين موفقا. حيث كان الرئيس الأميركي واضحًا في تحذيره من أنه إذا مات زعيم المعارضة أليكسي نافالني في السجن، فسيكون لذلك عواقب وخيمة على روسيا. ثم في لقائه مع أردوغان على هامش قمة الناتو في بروكسل، كان نهج بايدن ضعيفًا بشكل مفاجئ.

أمّا فيما يتعلق بانسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان فقد كان واضحًا أن الرئيس التركي لم يكن يفهم شيئا على وجه الدقة.  وبدلاً من مواجهة أردوغان بشأن القضايا الخلافية بين تركيا والولايات المتحدة، مثل شراء تركيا لصواريخ إس-400 الروسية، وافق بايدن على أن تدعم تركيا الأميركيين وتحرس مطار حامد كرزاي الدولي في كابول.

وأوضح أردوغان أن العرض سيكون مشروطًا بالدعم الدبلوماسي واللوجستي والمالي من الولايات المتحدة، مهما تطورت الأوضاع. وعلى الرغم من أن بايدن اعتبر الاجتماع "إيجابيًا ومثمرًا"، إلا أنه سيبقى مطروحا التحقق من مدى استعداد تركيا لتولي ما يمكن أن يصبح دورًا قتاليًا.

وحذرت حركة طالبان تركيا من الإبقاء على وجود عسكري في أفغانستان (دورها الحالي غير قتالي)، وتفيد تقارير بأن تركيا تخطط لنشر مرتزقة سوريين كما فعلت في ليبيا وقرة باغ. وقد طمأن أردوغان طالبان بأنه يمكنها إجراء محادثات مع تركيا بشكل مريح أكثر من الذي عهدته مع الولايات المتحدة "لأن تركيا ليس لديها ما يتعارض مع معتقداتها".

كما أشارت الصحفية تانيا غودسوزيان، من تي آر تي وورلد، إلى أن عرض تركيا لتأمين مطار كابول لا ينبغي أن يُنظر إليه كخطوة منفردة، بل على أنه جهد إضافي من أنقرة لتوسيع نفوذها في جميع أنحاء المنطقة. وذكر مايكل كوغلمان، كبير المساعدين في مركز ويلسون، في نفس البودكاست أن تركيا هي جزء من ثلاثي له امتداد في التاريخ مع أفغانستان وباكستان أيضًا.

وفي هذا السياق، لا يزال ادعاء جو بايدن بأن الولايات المتحدة يجب أن تدافع عن الحرية والديمقراطية يصبح غير سليم. ويقدم دومينيك مويسي من معهد مونتين منظورًا أوسع في "دروس مريرة من أفغانستان". ويقول: "إن هزيمة الولايات المتحدة كمحررة أو غازية (اعتمادًا على من تسأل) في أفغانستان تشكك في دور التدخل العسكري في عالم اليوم".

في فيلم مايك نيكولز "حرب تشارلي ويلسون"، الذي يتناول الدعم الأميركي السري للمجاهدين في الحرب السوفيتية الأفغانية، يستنتج عضو الكونغرس ويلسون: "هكذا هي الأمور. ندخل ونغير العالم بمثلنا العليا ثم نغادر. لكن الكرة تستمر في القفز". ولا تتغير بعض الأشياء أبدًا.

وبنفس الطريقة التي تُعرف بها أفغانستان باسم مقبرة الإمبراطوريات، فإن إدارة بايدن تخضع لما أصبح بالنسبة لعدد لا يحصى من الأمناء العامين والمبعوثين التابعين للأمم المتحدة مقبرة سياسية: قبرص التي احتلها العثمانيون من القرن السادس عشر حتى القرن التاسع عشر، ثم ضمتها بريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى. وبموجب معاهدة لوزان في عام 1923، تخلت تركيا عن جميع مطالباتها بالجزيرة حتى استغلّها البريطانيون، في 1955، ضد اليونان في مؤتمر عُقد في لندن.

بعد ثلاث سنوات من الاستقلال، انهار دستور تقاسم السلطة. وفي 1964، أرسل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قوة حفظ سلام  للفصل بين القبارصة اليونانيين والقبارصة الأتراك. وبعد عشر سنوات ، تدخلت تركيا بعد انقلاب القبارصة اليونانيين بهدف فرض الاتحاد (مع اليونان)، وعزز الاحتلال اللاحق انقسام الجزيرة.

ومنذ 1975، فشلت المحادثات بين الطائفتين تحت رعاية مجلس الأمن الدولي لتأسيس اتحاد ثنائي لطائفتين ومنطقتين، بشكل واضح في 2004 مع خطة عنان وفي كرانس مونتانا في سويسرا قبل أربع سنوات. وكما أشار الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، فقد ضاعت فرصة تاريخية.

وأخبرني أحد القبارصة اليونانيين البارزين أنه يشعر بالمرارة بشأن الفرصة الضائعة للتوصل إلى اتفاق مع زعيم القبارصة الأتراك مصطفى أكينجي، الذي أطيح به الآن. قال إنه خطأ، خطأ، خطأ. وألقى أحد المعارضين اللوم على الرئيس القبرصي اليوناني نيكوس أناستاسيادس وحاجته لإعادة انتخابه. وفي أكتوبر الماضي، جرى انتخاب إرسين تتار زعيمًا للقبارصة الأتراك بدعم كامل من أردوغان. والآن، هم يريدون دولتين منفصلتين.

وفي زيارة أخيرة لقبرص، طرح أردوغان خطته لفتح "مدينة الأشباح" فاروشا في تحد لقرارين من قرارات الأمم المتحدة. ولم تلاق هذه الخطة إدانة من وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكين فحسب، بل أدانها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أيضًا. وما يلفت للنظر هو أن الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، قد انضم أيضًا إلى جوقة الإدانة وحذر من أن الاتحاد الأوروبي سينظر في الإجراءات في اجتماعه المقبل، والتي ينتظر أن يكون لها أثر سلبي جدول الأعمال الإيجابي بالتأكيد.

قبل عشر سنوات، قال وزير الخارجية القبرصي السابق نيكوس رولانديس: "نحن القبارصة اليونانيين نعيش في عالم خاص بنا. ننتظر أن ينجينا روبن هود، بينما تنحسر الأرض تحت أقدامنا باستمرار". وما لم يقرر جو بايدن الإنقاذ، في دور روبن هود، مع أنتوني بلينكين في دور جون الصغير، فإن النظرة المستقبلية تبدو قاتمة لقبرص.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/joe-biden/ballad-sleepy-joe
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.
This block is broken or missing. You may be missing content or you might need to enable the original module.