ماذا يعني بلينكن وسوليفان لأردوغان؟

"ليس للدول  اصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون، ولكن توجد مصالح دائمة".

بقي هذا الاقتباس الشهير لرجل الدولة البريطاني في القرن التاسع عشر، اللورد بالمرستون، صحيحا، وكرره العديد من رجال الدولة في القرنين العشرين والحادي والعشرين ، إلا أن الرجال والنساء هم من يصيغون سياسات أمتهم. نحن نعلم الآن أنه من الجانب الأميركي، سوف يقود أنتوني بلينكن العلاقات مع تركيا كوزير للخارجية، بالإضافة إلى جو بايدن، وجيك سوليفان كمستشار للأمن القومي.

يتمتع الرجلان بخبرة واسعة في مجتمع السياسة الخارجية في الولايات المتحدة.  وصف أحد المعلقين البارزين اختيارهما بأنه انتصار لهذا المجتمع على تيار الاشتراكية أو أصحاب الميول الاشتراكية في الحزب الديمقراطي. وبالإضافة إلى هذين الرجلين، يعتبر الأشخاص الآخرون الذين أعلن عنهم بايدن لإدارته أو الذين تسرّبت أسماؤهم من الوسطيين أو المعتدلين في الحزب الديمقراطي. ويجب أن يمنح هذا بعض الراحة للرئيس رجب طيب أردوغان وللأتراك لإمكانية التنبؤ بتحركاتهم القادمة بعد أربع سنوات من السياسة الخارجية الأميركية المختلفة.

كان بلينكن وسوليفان من فريق السياسة الخارجية التابع لإدارة أوباما. لكن، سيكون من الغباء أن نرى في ترشيحاتهما المرتقبة استمرارا لسنوات أوباما. كان من الممكن أن يكون هذا صحيحا لو رأينا سوزان رايس وسامانثا باور في منصبي بلينكن وسوليفان. لذلك، يمكن لأولئك الذين كانوا يخشون عودة سياسة أوباما الخارجية أن يتنفسوا الصعداء والذين كانوا يأملون رؤيتها من جديد أن يحزنوا ويبدأوا في النظر إلى التصريحات والمقابلات مع بلينكن وسوليفان لمعرفة خطوط سياسة فريق بايدن الخارجية العريضة.

كشف بلينكن، في مقابلة جمعته مع والتر راسيل ميد من معهد هدسون في 9 يوليو، أن لديه أسس فهم ومعرفة قوية حول تركيا وعلاقاتها الخارجية. ولم يخض في التفاصيل، لكنه أقر بوجود مجالات خلاف كبيرة، على الرغم من أنه اقترح أن مجالات الاتفاق يمكن أن تعمل على تعزيز علاقة أكثر إيجابية. كما ألمح إلى علاقة شخصية بين أردوغان وبايدن، وستُعتمد في بعض المحادثات المباشرة (في هذا السياق ، تعني "المحادثات المباشرة" التبادلات اللفظية الواضحة والصريحة).

كل هذا للقول إن بايدن وفريقه سيعاملون أردوغان باحترام دون أن يتظاهروا بأن كل شيء على ما يرام، ودون أن يختزلوا علاقة السياسة الخارجية بين رجلين كما حدث مع الرئيسين دونالد ترامب ونظيره التركي. ويدرك كثيرون أن العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة لا تقتصر على تفاعلات شخصيتين فقط، فالعلاقات القائمة على المصالح المشتركة أفضل من تلك التي تشكل بين زعيمين شخصيا.

ولكن، كانت هناك نقطة خفية لكنها حادة في ملاحظات بلينكن. ويجب على مسؤولي السياسة الخارجية الأتراك الانتباه إلى تعليقه بأن العلاقة الأكثر إيجابية "تتطلب من الحكومة التركية نفسها أن تريد الشيء نفسه".

إن الرسالة واضحة: إذا كانت تركيا مستعدة للعمل مع الولايات المتحدة، يمكن أن تصبح العلاقة أكثر إيجابية وإنتاجية. أما إذا لم يكن الأمر كذلك، فيجب ألّا تلوم حكومة الولايات المتحدة على أي عواقب سلبية.

لم يناقش سوليفان تركيا في مقابلته في 11 مايو مع ميد، لكن علينا الاطلاع عليها لمعرفة رأيه حول قضايا الأمن القومي التي تواجه الولايات المتحدة. ومثل الكثيرين في مجتمع الشؤون الخارجية بالولايات المتحدة، يرى تحولا في مركز الثقل السياسي في العالم من أوروبا إلى منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ. بمعنى ما، يعني هذا أن تركيا ستنتقل من محيط مركز المخاوف الجيوسياسية الأميركية إلى المناطق البعيدة. وستتطلب إدارة تحول مركز الثقل السياسي تنسيقا أكبر بين الولايات المتحدة وأوروبا لتعزيز قدرتهما على تشكيل نفوذ مشترك عند مواجهة قوة الصين الاقتصادية المتنامية. وهذا يعني، على الرغم من أنه ليس مؤكدا، أن وقت سوليفان المحدد للقادة الأوروبيين لن يكون كثيرا، مما يعطل الإجماع داخل الفضاء الأوروبي.

تكرر إسم وزير الخارجية السابق جون كيري، الذي كان سيناتورا أميركيا لسنوات عديدة ومرشحا للرئاسة. يتساءل المرء لماذا سمعنا عن تعيينه في مجلس الأمن القومي كمستشار كبير لتغير المناخ. هل كان ذلك لإرسال إشارة إلى أن سياسة تغير المناخ ستكون في طليعة الأمن القومي لتهدئة تيار الاشتراكية في الحزب الديمقراطي المذكور أعلاه؟ أم من أجل فرصة ترشيح كيري لجائزة نوبل التي قيل أنه أمل في نيلها لسنوات؟ لأي سبب كان، سيكون وضع تقارير عن التقدم المحرز في تغير المناخ من مصلحة صانعي السياسة الأتراك وخاصة تأهبا للاجتماعات التي ستجمعهم مع الولايات المتحدة.

لا شك في أن فريق بايدن ملتزم بما يراه مصلحة وطنية، تماما كما يلتزم أردوغان بما يراه مصالح تركيا. سيعتمد ما إذا كان يمكن الاستفادة من مجالات الاتفاق للتغلب على مجالات الخلاف (سوريا، إس-400، العراق، الأكراد، حقوق الإنسان، حرية الصحافة، عضوية الناتو، ليبيا)، وهذا يعتمد على ما إذا كان أردوغان يريد علاقات إيجابية أم لا كما أشار بلينكين.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-us/blinken-sullivan-and-erdogan
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.