ماذا وراء الاستقالات في صفوف قيادات حزب الحركة القومية المتطرّف

أنقرة – ما الذي يجري في صفوف حزب الحركة القومية اليميني المتطرف الشريك في الائتلاف الحاكم بتركيا؟ هل هي بداية تصدّع جديد يطال الحزب المتحالف مع العدالة والتنمية الحاكم بعد انشقاق كتلة ميرال أكشينار عنه وتشكيل الحزب الصالح سنة 2017؟ هل هي لعنة التحالف مع أردوغان تطيح بحلفائه واحداً تلو الآخر أم أنّه صراع على خلافة الذئب العجوز دولت بهجلي الذي يعاني من المرض؟

جاءت أنباء الاستقالة من الهيكل التنظيمي لحزب الحركة القومية اليميني المتطرف؛ شريك حزب العدالة والتنمية في الائتلاف الحاكم، وحليفه في تحالف الشعب، في وقت يبدو فيه هذا التحالف في طريقه إلى التفكّك، ولاسيما بعد انتقادات على سوء إدارة الأزمات التي تمّ توريط تركيا فيها من قبل الحكومة التي يشكّل الحركة القومية الائتلاف الحاكم مع حزب أردوغان فيها.

واعتبرت الاستقالات في حزب الحركة القومية بمثابة تكتّلات داخل الحزب، كما أنّه لا يزال تحالف الشعب مع حزب العدالة والتنمية غير مقبول تمامًا في القاعدة الحزبية اليمينية. وبناء على ذلك، استقال ثلاثة رؤساء مقاطعات من حزب الحركة القومية في نفس الوقت. يذكر أن استقالات جديدة ستأتي في المنظمة وتعمل إدارة الحزب على منع ذلك.

ووفقًا لأخبار يني جاغ، قرر رئيس فرع حزب الحركة القومية يلماز غوك الاستقالة في دنيزلي سيرينهيزار. كما استقال ميليه بويوكدير، عضو مجلس إدارة مقاطعة بولدان، من حزبه. وفي قهرمان مرعش أيضاً، أعلن رئيس منطقة قهرمان مرعش، مفيد دال أنه استقال من منصبه في بيان. كما استقال رئيس مقاطعة أفشين إرسال كوتش الذي أدلى ببيان وضّح فيه سبب استقالته والحاجة إلى ذلك.

وفي هذه الأثناء يقرّب أردوغان زعيم حزب الوطن؛  دوغو برينجك، ويقوم بمنحه بعض الامتيازات، كتعيينه بعد هذه فوركان غوكشن، عضو حزب الوطن، في القصر كمستشار لكبير مستشاريه أوقطاي سارال، تمهيداً لضمّ برينجيك إلى ائتلاف حزبي يسعى لتشكيله استعداداً لانتخابات سنة 2023 التي بدأت الأحزاب المعارضة بتجميع صفوفها لمواجهة حزب أردوغان وحلفائه. 

أردوغان يقرّب برينجك
أردوغان يقرّب برينجك

ويشير محللون أتراك إلى أنّه على الرغم من أن هناك تيارًا سياسيًا ظهر داخل الحزب الصالح الذي كان انشقّ عن الحركة القومية، وانضمّ على تحالف الأمّة مع حزب الشعب الجمهوري المعارض، يسير في اتجاه تعطيل تحالف الأمة، وخاصة في المرحلة التي بدأت مع مرض دولت بهجلي، لكنه ليس هناك صدًى لهذا لدى زعيمة الحزب ميرال أكشينار حتى الآن.

كما يلفتون من جهة أخرى إلى أنّ حزب الحركة القومية استغلّ من نزوع أردوغان المرضيّ للتشبّث بالسلطة، ونزعته للاستبداد والتفرد بالحكم، ودخل في تحالف معه، وأملى عليه شروطه، بحيث قيّده بسياساته اليمينية، ودفعه للتصرّف بمزيد من العدوانية تجاه الآخرين، وبخاصة الأكراد وحزب الشعوب الديمقراطي الموالي لهم.

وكان أردوغان قد أجاب عن سؤال متعلّق بتحالفه مع الحركة القومية بالقول: "أملنا نحن تحالف الشعب أن يستمر هذا التحالف ليس حتى اجتياز المرحلة، بل حتى دخول القبر. ولكن إذا استطعنا إثراء هذا التحالف فسيمكننا أن ندخل 2023 ونحن أقوى بكثير. بابنا مفتوح. إن ضعف وتفكك تحالف يُطلق عليه اسم تحالف الأمة، ولكنه لم يحمل شيئًا من مفهوم الأمة، مسألة مهمة للغاية."

وكان دولت بهجلي قد مضى منذ العام الماضي في تحالفه مع أردوغان إلى أقصى مدى ممكن، وتحول حزب الحركة القومية لذلك إلى مجرد رجع صدى لمواقف وقرارات حزب العدالة والتنمية الإسلامي، وللرئيس التركي رجب طيّب أردوغان شخصياً الذي كان يطلب من بهجلي إطلاق أفكار بعينها على غرار الدعوة لانتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة في 2018. ولعلّ تخلي الحزب عن أيّ مرشح له في الانتخابات الرئاسية وترشيح أردوغان كان نقطة تحول في تاريخ الحزب.

وقبل دخول بهجلي في تحالف الشعب مع حزب أردوغان سنة 2016، كان شديد الانتقاد لأردوغان، واتهمه بتأجيج حدة الاستقطابات السياسية في البلاد، وحاول إقناع الرئيس السابق عبدالله غول بالترشح ضده كمرشح توافقي للمعارضة، وكان متحالفاً مع حزب الشعب الجمهوري، وتم التوافق على ترشيح أكمل إحسان الدين أوغلو الذي كان الأمين العام السابق لمنظمة التعاون الإسلامي. كما رفض سنة 2015 التحالف مع العدالة والتنمية ولم يكترث بدعوات رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو.

لم تنجح محاولات قياديين في الحركة القومية في الإطاحة ببهجلي، ولم تؤثر الانشقاقات عليه كثيراً، وظلّ محط اهتمام الحزب الحاكم والمعارضة معاً، وحاول بهجلي ألا يظهر بمظهر الباحث عن مناصب وتنفيعات، من خلال رفض الحصول على أية وزارة، وبالمقابل أطلق يد كوادر حزبه للتنشط في مؤسسات الدولة والتوسع فيها رويداً رويداً تحت سمع العدالة والتنمية وبصره وبرضاه، ليقينه أن التغلغل في مؤسسات الدولة أهم من المناصب الوزارية.

ومع ازدياد الشائعات حول تدهور صحة دولت بهجلي الذي يلقّب بـ"الذئب العجوز" البالغ من العمر 72 عاماً، والذي يتفرد بزعامة حزبه منذ 1997، والشكوك بقدرته على ممارسة عمله السياسيّ كزعيم للحزب، يبدو أنّ الحزب مقبلً على مرحلة جديدة مختلفة، قد يكون بعض سماتها التشرذم وانضمام تكتّلات منشقّة عنه للمعارضة، وارتهان تكتّل ينتفع من الامتيزات الحكومية أكثر لأردوغان وحزبه.