ما لا تريده أنقرة من مجلس الأمن

وكأن 47 سنة لم تمر ولم تأخذ منها تركيا دروسا وعبر فيما يخص الوضع القبرصي المفكك والمتناحر كما لو أن كل تلك السنوات لم تشهد خسائر في الارواح والممتلكات من كلا الجانبين.

كما لو أن الوقت لم يثبت أن الاتحاد الثنائي المناطق والطائفتين الذي يُطلق عليه جمهورية قبرص كان أملًا حاولت تركيا ان تجعله في عداد المستحيل.

انفراد تركيا بالوضع القبرصي على اساس اثني وعرقي وتصرفها كيفما تشاء في مقادير ذلك القسم من الجزيرة هو امر واقع اذ لا تريد أنقرة من أي طرف اقليمي او دولي التدخل فيه بأي شكل الى درجة ان انقرة توحي للعالم بأن شمال قبرص ما هي الا اقطاعية تابعة للباب العالي في اسطنبول.

في اعقاب الزيارة الأخيرة لأردوغان وما شهدته من تصريحات ومواقف متهورة ومناقضة للقانون الدولي ولمقررات الامم المتحدة في اعتماد حل الدولتين واثارة قضية فاروشا كان لمجلس الامن موقف صريح وحاسم ضد انقرة والأكثر صدمة بالنسبة لأنقرة كان هو اجماع اعضاء المجلس جميعا على رفض وادانة الموقف التركي.

في نظر انقرة وتفسيراتها الخاصة أن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وبكل بساطة قد خضع لضغط الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على أساس الحجج والمخاوف التي لا معنى لها والتي قدمتها الحكومة اليونانية والجانب القبرصي اليوناني، وأن مجلس الامن يلعب مرة أخرى لعبة خاسرة، ذلك ما تشير اليه وسائل اعلام الحكومة التركية.

أدان مجلس الأمن قرار التلاعب بمنطقة فاروشا ودعا إلى "التراجع الفوري" عن هذا الإجراء الأحادي، محذرًا أنه يمكن أن يثير التوترات في الجزيرة المتوسطية المقسمة.

المندوبون الذين شاركوا في التصويت من النيجر وتونس وسانت فنسنت وجزر غرينادين وفيتنام وإستونيا فضلا عن الدول الدائمة العضوية في المجلس، في نظر تركيا هم متحيزون لأنهم يجب ان يصغوا لخطابات اردوغان ويتبعوا سياساتها دون اعتراض والا فإنهم لم يقرأوا أي وثيقة بخلاف الوثائق القبرصية اليونانية واليونانية حول هذه القضية قبل دعوة الجانب التركي إلى عدم "فتح" منطقة فاروشا للتسوية.

بعد العملية العسكرية التركية التي تمت قبل 47 عاما ما تزال اثارها وجراحاتها قامة، حيث ظلت انقرة تروج ان قواتها جاءت من اجل إنقاذ السكان ذوي الاصول التركية بعد الانقلاب اليوناني، وضد ميليشيات قبرصية يونانية، لكن ذلك المشهد ان وجد فإنه انتهى في حينه.

ومع ذلك، فإن التدخل التركي بالاستيلاء على ممتلكات الغير قد امتد الى الجزء السياحي الحديث من مدينة فاروشا خضعت جميع الشقق الشاهقة المملوكة للقبارصة اليونانيين وغيرها من العقارات المطلة على الشاطئ لقضايا تعويض تولتها جمهورية شمال قبرص التركية من دون اي تحكيم دولي او لجان ثنائية وانما تم كل ذلك من طرف واحد وبتشجيع من اردوغان.

وبناءا على توجيهات اردوغان أعادت سلطات شمال قبرص التركية فتح المنطقة جزئيًا في 8 أكتوبر 2020، ودعت اليونانيين للتقدم والمطالبة ببعض المال بديلا عن ممتلكاتهم وبدلا من مصادرتها.

ما وضع على طاولة أعضاء مجلس الأمن الموقرهي قضية متعلقة بحقوق الملكية لـمئات من  قطع الأراضي والعمارات  على شاطئ فاروشا في قبرص مهددة بالمصادرة بينما هي من ضمن ملفات المفاوضات الأممية من أجل توحيد شطري الجزيرة.

وخلال هذه الاجراءات حاولت انقرة التعمية على ممارساتها فاقترحت من طرف واحد ادارة تعاونية لفاروشا بين الدولتين في الجزيرة، وكلاهما يتمتع بوضع دولي متساوٍ؛ لكن لم تكن انقرة تريد ولم تتوقع ان يوجه مجلس الامن والاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة مجتمعين هذه الصفعات المدوية المتتالية لأنقرة لكي توقف تلك الفوضى التي صنعها في قبرص.

ما تريده انقرة من أعضاء المجلس التفكير في صياغة البيان الرئاسي هو التوافق على وضع الجزيرة المنقسمة الى الابد وبالتوافق يونانيًا وتركيًا وأمريكيًا وبريطانيًا متجاوزين القرارات الاممية وما تم على مدار الـ 47 عامًا الماضية، فمن الذي يدفع بهذه القضية إلى مكاتب مجلس الأمن؟

ما يقلق انقرة ايضا لن لا يقتصر الأمر على أعضاء مجلس الأمن الدولي فحسب، بل ان ينتقل الامر الى  الكونجرس الأمريكي وفي ظل ذلك تواصل انقرة الترويج لمبادرة حل الدولتين على الجزيرة اللتان تتمتعان بوضع متساوٍ.

انقرة تريد ان من الاطراف الدولية ان تضيف عملية احتلالها لشمال قبرص الى سائر عمليات الاحتلال الاخرى وكما هي الحال مع شبه جزيرة القرم أو أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية أو محاولة ضم الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة، وتلك هي الحجة التي تتشبث بها انقرة وتريد اصلاح المشكلات الدولية اولا قبل حل قضية قبرص.

* بالإشارة الى مقال حقي اوجال في ديلي صباح بالإنكليزية.

This block is broken or missing. You may be missing content or you might need to enable the original module.