لن تصبح تركيا "دولة قانون" دون انضمامها للاتحاد الأوروبي

 

طُرِح هذا الموضوع منذ سنوات، ولكن يبدو أن الأمر لم يحقق وقتها نتيجةً تُذكر. 
على أية حال، لم يكن الأمر ممكناً آنذاك، أما الآن، فقد علَّمتنا الأحداث الأخيرة هذه الحقيقة، التي ربما تعود لعشر سنوات ماضية، مرة أخرى.  
يمكن القول إن الفترة بين عامي 2003- 2008 هي أفضل الفترات في عمر الجمهورية التركية بكامله منذ تأسيسها؛ فقد ارتفعت معدلات النمو، خلال تلك الفترة، إلى معدلات قياسية، وكانت الدولة تسير بخُطى متسارعة نحو التحوُّل الديمقراطي، وإقرار دولة القانون، وفقاً للمعايير الأوروبية، ونجحنا في الانتقال كذلك إلى مرحلة المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، التي بدأت منذ الستينيات، وتخلصت الدولة من سياستها القومية في قبرص، واتجهت، بدلاً من ذلك، إلى تبني سياسة أكثر عقلانية؛ فانعكس ذلك، بشكل إيجابي، على الشباب، الذين بدأوا بدورهم ينظرون بأمل نحو المستقبل.
ومن جانبه، وافق البرلمان الأوروبي حينها على التفاوض مع تركيا من أجل انضمام الأخيرة إلى الاتحاد الأوروبي، وغير ذلك من النتائج الإيجابية الأخرى التي شهدناها خلال تلك الفترة..
تلقيت دعوةً لتناول الطعام من صديقة لي منذ أيام الدراسة الجامعية أثناء إحدى زياراتي لقبرص. كان لديها ابنان يُعدّان رسالة الماجستير في اثنتين من أفضل الجامعات على مستوى العالم. أذكر أن ابنيها قالا لي حينها "إذا توحد شطرا جزيرة قبرص، ودخلت تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، فسوف نعود نحن أيضاً إلى الجزيرة؛ لنعمل ونبني حياة جديدة هناك، أما إذا حدث العكس فسوف نغادر إلى بلد آخر مثل الولايات المتحدة أو بريطانيا، ونبني حياتنا هناك".
كانت صديقتي تكافح أيضًا من أجل تهيئة بيئة مناسبة لابنيها؛ كي يعودا إلى قبرص، ويعيشا هناك. لم أستطع أن أنسى حماسها أبدًا.. ومرّت السنوات، لنصل الآن إلى اليوم، الذي لم يعد فيه الشباب المثقف في تركيا، وفي خارجها، يفضل العيش في تركيا، أو العودة إليها؛ إيماناً منه بأن بناء المستقبل سيكون بمغادرة تركيا، وليس بالعيش فيها..
أردتُ من حديثي هذا أن أعرض الحقيقة بتجرّد تام؛ لأن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لا يعني، كما يختلط في أذهان الكثيرين، مجرد العيش في كنف دول الاتحاد، أو حتى التخلص الجزئي من تأشيرة الدخول مع الاتحاد فحسب.
لقد أصبحت مشكلة سيادة القانون في القرن الحادي والعشرين في مقدمة جميع القضايا الاجتماعية، التي نعيشها في الوقت الراهن، ومع ذلك، فالأمر كان عسيرًا بالنسبة للبلدان، التي لم تؤسس لدولة القانون، والتي رأت في هذا الأمر مشكلة كبيرة يصعب عليها تخطيها.
وحتى لو وضعت تلك الدول بنوداً في دساتيرها تؤكد فيها على وجود دولة القانون، فستظل هناك صعوبات أمام تطبيق معايير هذه البنود في كافة مؤسسات تلك الدول.
وبالنسبة لنا في تركيا، فهناك بالفعل مبدأ خاص بدولة القانون في الدستور التركي، وهي واحدة من المواد، التي لا يمكن رفعها أو حتى اقتراح رفعها من مواد الدستور، ومع ذلك، لم تكن تركيا من بين الدول التي استطاعت أن تخطو خطوات واسعة في هذا الاتجاه، وسأحاول جاهداً أن أشرح أدناه الأسباب التي جعلت هذا الأمر غير ممكن في الفترة الحالية على وجه التحديد؛ فعلى الرغم من أن فرصة تركيا ضئيلة للغاية لتصبح من الدول التي أسست لدولة القانون، إلا أنه لا تزال هناك فرصة، ولو ضئيلة، أمامها كي تحصل على العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي. وأعتقد أنها لن تنال هذه الفرصة إلا بعد رحيل حزب العدالة والتنمية عن السلطة..
من ناحية أخرى، أرى أنه من غير الإنصاف أن نقصر مشكلة ابتعاد تركيا عن معايير دولة القانون على الفترة التالية لعام 2010 فقط؛ لأنه على الرغم من أن المشكلة قد ازدادت وخامة وخطورة خلال هذه الفترة (فترة ما بعد 2010)، إلا أن هذا لا يعني أنها لم تكن موجودة قبل ذلك من الأساس، وسأعطي مثالاً بسيطاً على هذا؛ ففي أوائل سبعينيات القرن الماضي أطلقت المحكمة العليا في دولة القانون صفة "أجنبي" على مواطنينا من الأقليات الموجودة داخل تركيا.
لا أزعم أن الغرض الرئيس لكتابتي هذا المقال هو محاولة تبرير حتمية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؛ من أجل بناء دولة القانون في بلدنا، أو أن هذا هو السبيل الوحيد لبلوغ هذه الغاية، ولكن من المهم أيضًا التأكيد على صعوبة أو ربما استحالة بناء دولة قانون بالاستعانة  بديناميات داخلية.
أعتقد أن مسألة القانون والحقوق هي أمّ المشكلات التي تعاني منها تركيا في الوقت الحالي؛ فقد كان ضياع سيادة القانون (بين الصمت عن الحقوق وتكميم الأفواه) هو السبب الرئيس وراء انحدار نصيب الفرد من الدخل القومي في عام 2007.
لا شك أن مفاهيم حرية التعبير عن الرأي، وحرية الاعتقاد والحق في الملكية هي الأسس التي تقوم عليها دولة القانون. وبناءً على هذا، تضع الدولة خططها من أجل ترسيخ مفهوم دولة القانون وتحقيق النمو الاقتصادي.
أما تركيا، فهي بلد يشوبه اضطرابات كبيرة للغاية، وتشوش في موضوع إنتاج دولة القانون الحقيقية. وأرجو ألا يخطئ أحد في وضع مفهوم "إنتاج دولة القانون" في مكان خاطىء؛ لأن ما أفهمه هو أن دولة القانون على شاكلة دول الاتحاد الأوروبي، لم تستند إلى شرائع سماوية أو تعاليم كَنَسِية، ولكنها نجحت في خلق معايير دولة القانون من داخل الدولة والمجتمع، تماماً مثل باقي السلع الأخرى، التي يتم إنتاجها داخل أي من هذه الدول.
لا أريد منكم أن تندهشوا من تشبيهي دولة القانون بالسلعة؛ لأن كلمة سلعة تعني في الأساس "الشيء الذي يتم إنتاجه أو خلقه من العدم". وهذا الأمر ينطبق أيضاً على مفهوم دولة القانون، وطالما أن السلعة يتم إنتاجها من أجل الصالح العام فهي سلعة جيدة؛ لذلك لم يكن مستغرباً أن تكون الترجمة الإنجليزية لهذه الكلمة، وهي "good" والترجمة الفرنسية لها، وهي "bien" بمعنى "جيد" في اللغتين.
ومع ذلك، يقتضي إنتاج سلعة دولة القانون في دولة، مثلها في هذا مثل السلع العامة الأخرى، أن يكون هناك طلب على هذه السلعة، وبالتالي تبدأ الدولة في إنتاجها؛ لأنه لا داعي لإنتاج السلع التي لا يُقبل الناس عليها. وهذا أمر طبيعي.
وبناءً على هذا، يمكن القول إن المواطنين في تركيا لا يُقبلون على سلعة دولة القانون بنفس مستوى إقبال مواطني دول الاتحاد الأوروبي عليها. ومع هذا يمكن إرجاع نقص الطلب على هذه السلعة في تركيا أيضاً إلى ضعف الترويج لها، وعدم إمداد المواطنين بمعلومات كافية عنها. وهو ما نسميه بالجهل العقلاني. والمواطن في هذه الحالة لا يطالب إلا بالشيء الذي سيعود بالنفع عليه هو خلال فترة قصيرة أو متوسطة الأجل، وبالتالي فمن الطبيعي ألا يتم إنتاج سلعة ليس عليها طلب.
إذا كان مليون ونصف مليون مواطن فقط، في بلد لا يقل عدد الناخبين فيه عن ستين مليوناً، هم الذين يدفعون ما عليهم من ضرائب، فهذا يعني غياب سيادة القانون في هذا البلد؛ لأن تطبيق دولة القانون يقتضي أن تقوم الدولة المعنية بهذا الأمر بإعلام جميع الناخبين (المواطنين) بضريبة الدخل الخاصة بهم، والناخب الذي يمتنع عن سداد الضريبة المستحقة عليه ليس من حقه أن يطالب بحقوقه الأخرى التي تكفلها له الدولة؛ لذلك كان من الطبيعي ألا يطالب الناخبون، الذين لا يرغبون في المساءلة، بتطبيق دولة القانون؛ لأن تطبيقه يعني عدم السماح لهم بالتمادي فيما هم فيه.
فعلى سبيل المثال، لا يمكن السماح في دول القانون الأخرى بأن يُجبر المستهلكون على تحمل الفاقد من التيار الكهربائي الذي يستخدمه مواطنون آخرون بشكل غير قانوني، كما أن الإعفاء الضريبي في تلك الدول أيضاً، لا يمكن أن يرتبط باقتطاع من الضمان الاجتماعي.
ومن الواضح أن هناك ثمة اتفاق مع المواطنين في مثل هذه الدول (التي لا تريد أن تتحول إلى دول قانون) على عدم إنتاج سلعة دولة القانون. والناخبون عقلانيون في هذا الاختيار على المدى القصير (وأحياناً على المدى المتوسط)، لكن لا يُسمح لهذا الاتفاق أن يستمر على المدى البعيد؛ لأن استمراره يعني انهيار النظام، وهذا هو حالنا اليوم..
وعندما نضع كل هذه المواقف أمام أعيننا مجتمعة، فقد يفيد هذا في توضيح العلاقة بين مفهوم الجهل العقلاني، وعدم إنتاج سلعة دولة القانون بشكل أكبر.
عندما لا ينتج البرلمان دولة قانون حقيقية، فهذا يعني أن هناك دائرة مفرغة تتشكل في المقابل؛ دائرة لن يكون من السهولة بمكان الخروج منها بعد ذلك؛ لذا فإن فرصة تركيا الوحيدة للتَحوُّل إلى دولة قانون ستُفرض من الخارج في حالة انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. وأنا أؤيد أن يتم فرضها من الخارج؛ لأنه لم تعد أمامنا فرص أخرى لإنتاجها بالداخل.
وأنا على يقين بأننا إذا بحثنا عن إجابة واقعية للأسئلة "لماذا لا يمكننا القيام بإصلاح ضريبي عقلاني؟" و"لماذا يمثل عدد العمال غير الرسميين 35% من إجمالي العمالة في تركيا؟"، فسوف يتضح مدى أهمية وجود دولة قانون بشكل أكبر كذلك.
وفي النهاية أقول، إنّ إقامة دولة القانون سيكون صعباً للغاية بدون الاتحاد الأوروبي. وأنا هنا أفضل استخدام كلمة "صعب للغاية" وليس كلمة "مستحيل"..
 
 

-    هذا المقال يعكس آراء الكاتب، ولا يشترط أن يأتي متوافقًا باستمرار مع سياسة التحرير والنشر في موقع "أحوال تركية".

-    يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:
 

https://ahvalnews.com/tr/ab/bu-absiz-hic-olmayacak
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.