لماذا لم يهتم بايدن بأردوغان

لم يتواصل الرئيس بايدن للتحدث مع نظيره التركي رغم مرور أكثر من شهرين من توليه منصبه. وفي حين لا ينبغي الإفراط في قراءة هذا الأمر، إلا أن الإشارات الصادرة عن البيت الأبيض ووزارة الخارجية تشير إلى أن فريق بايدن لا يرى أي سبب لإعطاء الأولوية لتحسين العلاقات مع الرئيس أردوغان.

تحتل تركيا المرتبة الثانية أو الثالثة من حيث عدد السكان في الناتو. ولا تزال واحدة من أكبر 20 اقتصادا في العالم حتى مع التحديات الاقتصادية التي تواجهها الآن. وتربط أوروبا والشرق الأوسط بثلاثة جسور تمتد عبر مضيق البوسفور وتشهد على ارتباطها الجغرافي الاستراتيجي والتجاري والثقافي بين هاتين المنطقتين. وتقع إسطنبول على مسافة متساوية تقريبا من كاليفورنيا إلى الغرب واليابان إلى الشرق، مما يضمن أنه في فترة ما بعد كوفيد، عندما يعود السفر الجوي إلى مستويات ما قبل الوباء، ستحتل المرتبة الأولى بين أهم محاور النقل الجوي في العالم. ولا يحتاج المرء إلى الإشارة إلى أن تركيا تقع على حدود العديد من البلدان التي تهتم بها الولايات المتحدة ( سوريا والعراق وإيران واليونان) وهي قريبة من دول أخرى تعتمد على الولايات المتحدة (إسرائيل وقبرص ولبنان ومصر). (أسماء البلدان أمثلة وليست كاملة).

لهذه الأسباب المذكورة أعلاه، كان من المتوقع أن يتلقى رئيس تركيا مكالمة من رئيس الولايات المتحدة الجديد بعد فترة وجيزة من توليه مهامه. ومع ذلك، بعد شهرين، لم يجر أي اتصال. وأقدّم هنا ثلاثة أسباب رئيسية لهذا الأمر.

أولا، تم تقليل مفهوم الضرورة. فقد كان الرئيس أردوغان يتصرف لسنوات كما لو أن الولايات المتحدة والغرب في حاجة إلى تركيا، وإلى قيادته لتركيا  أكثر من البلاد نفسها، بينما كان هو بحاجة إلى الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة. وكان من الممكن أن يلقى رضوخ العديد من السياسيين الأميركيين في السلطة للإجراءات التركية طوال سنوات توبيخا شديدا لو أن ذلك بدر عن شريك آخر أقل أهمية.

لكن بايدن وفريقه للأمن القومي ليس لديهم مصلحة في التظاهر بعد الآن بأن الولايات المتحدة لديها احتياجات ومصالح تعتمد على حسن نية قادة تركيا. في حين أنه قد يكون هناك بعض التخفيض في القدرات من خلال إزالة المرافق والمعدات الأميركية من إنجرليك، إلا أن هناك خيارات أخرى موجودة. حيث أدت العلاقات الأميركية المحسنة مع اليونان وتحسين العلاقات بين إسرائيل والدول العربية إلى خلق خيارات تقلل من ضرورة الوصول إلى المنشآت العسكرية التركية. وقد تظل المرافق التركية الخيار الأول، لكنها لم تعد الخيار الوحيد المقبول.

ثانيا، من المتوقع أن تكون المحادثة غير سارة. فمن شبه المؤكد أن التقارير العامة عن محادثة نهائية ستشمل ملاحظة أنها كانت "تبادلا صريحا وصادقا لوجهات النظر". وستخفي هذه اللغة الدبلوماسية حقيقة أنه في معظم القضايا ذات الأهمية، ليست الولايات المتحدة بقيادة بايدن وتركيا في عهد أردوغان على نفس الصفحة.

أوضح المرشح بايدن أن احترام حقوق الإنسان، وحقوق مجتمع الميم، وحقوق المرأة، وحرية الصحافة سيكون جزءًا أساسيا من السياسة الخارجية الأميركية. وقد عززت كلماته حتى الآن هذا التعهد. كما أدلى وزير الخارجية أنطوني بلنكين ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان بتصريحات قوية لدعم حقوق الإنسان، تقريبا مثل ذكر أنظمة الدفاع الجوي الروسية.

وتبدو المحادثات الإيجابية حول التورط التركي في القتال الأخير بين أرمينيا وأذربيجان، والأنشطة في ليبيا أو سوريا، والخطاب حول شرق البحر المتوسط ​​وبحر إيجة غير مرجحة بنفس القدر. كما أن الجهود المبذولة لقمع حزب الشعوب الديمقراطي ووضع الصحافة تحت سيطرة الحكومة لن تؤدي إلى محادثات مثمرة أيضا. ومع غياب احتمال عقد اجتماع بشأن القضايا، وبدرجة أقل على قدرة بايدن على إقناع أردوغان بتغيير اتجاهه، فلماذا تهتم بمكالمة هاتفية من شأنها أن تؤدي إلى تفاقم مجالات الخلاف الحالية، وتشمل ذكر إس-400؟

ثالثا، يبدو الرئيس بايدن مهووسا بعكس كل ما فعله سلفه، دونالد ترامب. وهذا يشمل كيفية إدارة ترامب للشؤون الخارجية. وكشف توقيعه على عشرات الأوامر التنفيذية والتعليقات التي أدلى بها في مؤتمر صحفي مؤخرا عن هذا الهوس. وكان الرئيس أردوغان يتمتع بتأييد الرئيس ترامب آنذاك، لكن ترامب لم يعد في الصورة. وليس لدى بايدن أي مصلحة في التحدث مع شخص يعتقد أنه من المحتمل أن يكون "ترامب تركيا": ديماغوجيا شعبويا ذا ميول استبدادية ولا يفعل الكثير لفائدة المصالح القومية الأميركية.

باختصار، لأسباب تكتيكية واستراتيجية وشخصية، من غير المرجح أن يستثمر الرئيس بايدن الكثير من الوقت والطاقة في علاقة مع الرئيس أردوغان. وقد يفوض هذه المهمة إلى مسؤوليه مساعديه، دون أن يتدخل إلا عندما يكون ثقل منصبه ضروريا.

قد يؤتي إلغاء الطابع الشخصي المرحب به للعلاقات الخارجية، والذي يُعزى جزئيا إلى عدائه الشخصي لكل الأشياء الترامبية، ثماره أو لا يعود بفوائد على العلاقات الأميركية التركية على المدى القريب، لأن الرئيس أردوغان لديه دور كبير يلعبه في مستقبل اتجاه العلاقات الأميركية التركية. وستكون القدرة على التنبؤ الأكبر موضع ترحيب كبير لبناء علاقات أميركية تركية أقوى بمرور الوقت، إذا كانت تشير إلى توافق أكثر وتوجه أقل شخصنة تجاه العلاقات الخارجية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey/understanding-bidens-disinterest-erdogan
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.