لهذه الأسباب لن تغادر العلاقات التركية الأميركية مربع التوتر

لندن - كان اللقاء بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الأميركي جو بايدن على هامش قمة حلف شمال الأطلسي الأخيرة وهو اللقاء الأول بين الزعيمين بعد توتر حاد على المستوى الشخصي وعلى مستوى العلاقات بين البلدين، لافتا في توقيته ومضمونه وخواتمه.

وبحسب تقرير نشره موقع 'ستراتفور'، فقد كشف اللقاء أن العلاقات الثنائية ستظل متوترة حتى وان بدت مستقرة في ظاهرها، فاللقاء انتهى من دون أن يحل القضايا الخلافية بين البلدين ولم يؤسس لآلية تهدئة دائمة تُعيد العلاقات بين العضوين في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فالتوترات كامنة في أكثر من موضع وأشبه بنار تحت الرماد.

وباستثناء تعهد تركيا بتأمين مطار كابول الدولي بعد الانسحاب الأميركي والدولي من أفغانستان، انتهى اللقاء بين بايدن وأردوغان بلا نتائج تذكر، بينما عزز في المقابل مسارا براغماتيا في التعامل بين البلدين.

وعاد الرئيس التركي من لقاء كان يراهن عليه لاحتواء الغضب الأميركي من صفقة الصواريخ الدفاعية الروسية اس 400، بيد فارغة وأخرى لا شيء فيها حيث لا تزال الكثير من الألغام السياسية والجيوسياسية في طريق تهدئة لا تبدو قريبة، فيما يكابد أردوغان وحزبه العدالة والتنمية لتلميع صورة تلطخت بالقمع وانتهاك حقوق الإنسان ومصادرة الحريات على المستوى الداخلي وأزمات متفجرة على المستوى الخارجي وذلك قبل انتخابات عامة مقررة في 2023 ويخوضها الحزب الحاكم في تركيا برصيد من النكسات السياسية والاقتصادية.

وليس ثمة ما يشير إلى أن تركيا قادرة على حل الخلافات مع الشريك والحليف الأميركي في ظل سياسات ملتبسة ومرتبكة على أكثر من صعيد حتى وان كان عنوان المرحلة والمسار براغماتية بحتة.

وتحشد تركيا منذ محاولة الانقلاب الفاشل في صيف العام 2016 لإقناع واشنطن بتسليمها الداعية فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة والذي تتهمه أنقرة بالوقوف وراء المحاولة الانقلابية، بينما امتنعت السلطات الأميركية عن تسليمه لأن الجانب التركي لم يقدم أي أدلة قاطعة على أن غولن وشبكته دبروا محاولة قلب نظام حكم أردوغان، فيما تبقى هذه واحدة من القضايا التي ترخي بظلال ثقيلة على العلاقات بين البلدين.

ويُبقي الرئيس التركي سيف الملاحقات مسلطا على رقاب من يعتقد أنهم من أنصار غولن بعد أن زج بالآلاف في السجون وعزل آلاف من وظائفهم في مؤسسات الدولة وذلك للحفاظ على الولاء السياسي للأتراك الرافضين لمحاولة الانقلاب العسكري.

وشكل التقارب الروسي التركي اعتبارا خاصة من 2017 بعد أن أبرمت تركيا صفقة شراء الصواريخ الدفاعية الروسية من طراز اس 400، انعطافة في العلاقات التركية الأميركية، حيث تمسكت أنقرة بتلك الصفقة بينما عارضتها واشنطن وحلف الناتو على اعتبار أن المنظومة الصاروخية الروسية تمثل خطرا على منظومة الحلف الصاروخية.

وفي ظل التجاهل التركي للتحذيرات الأميركية-الأطلسية اضطرت واشنطن لاستبعاد تركيا من برنامج صناعة الطائرة الشبح من الجيل الخامس اف 35 وفرضت عقوبات على هيئة الصناعات الدفاعية التركية التي تعتمد في شكل كبير من إنتاجها على قطع التصنيع الأميركية وشملت العقوبات أيضا مسؤولين في الهيئة.  

وتقترح تركيا للخروج من هذا المأزق فكرة المراقبة المشتركة لمنظومة الصواريخ الروسية أو حتى تركها جانبا مقابل تخفيف العقوبات، لكن رفع العقوبات سيتطلب إشراف الكونغرس، حيث دعا العديد من المشرعين إلى اتخاذ إجراءات متشددة ضد شراء تركيا لمنظومة إس-400.

وهناك فرصة لتركيا لتقديم تنازلات، كالحد من تكرار استخدام إس-400، لكن من غير المرجح أن تتخلى أنقرة عن النظام تماما دون تنازلات أميركية كبيرة، حيث يرى الأتراك أن شراء المنظومة الصاروخية الروسية يدخل في استقلالية القرار الوطني.

ومن النقاط الخلافية الأخرى التي تلقي بثقلها في أزمة العلاقات الأميركية التركية تلك المتعلقة بالدعم الأميركي لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) وهي تحالف من فصائل عربية سورية ووحدات حماية الشعب الكردية التي تشكل عمودها الفقري. وتعتبر أنقرة وحدات حماية الشعب تنظيما إرهابيا وامتدادا لحزب العمال الكردستاني الذي يحارب الدولة الكردية منذ عقود والمصنف من قبل تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تنظيما إرهابيا. وتريد أنقرة من واشنطن قطع جميع العلاقات مع وحدات حماية الشعب الكردية.

ولا تخفي إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن مخاوفه من عودة ظهور تنظيم الدولة الإسلامية لذلك من غير الوارد أن تتخلى عن قوات سوريا الديمقراطية التي شكل رأس الحربة في العمليات ضد داعش.

وثمة ملف خلافي آخر يتعلق بسجل تركيا في حقوق الإنسان، حيث تقف أنقرة وواشنطن على طرف نقيض في هذا الملف، فبينما تجدد إدارة بايدن التزام الولايات المتحدة بحماية حقوق الإنسان والحريات عالميا، تنظر تركيا التي يحكمها حزب إسلامي محافظ بطريقة أخرى لهذه المسألة، حيث ينظر الحزب الديني القومي غالبا إلى القضايا الاجتماعية بشكل مختلف عن الولايات المتحدة ويشعر بالقلق من انتقادات القوى الغربية.

وفي أبريل الماضي على سبيل المثال، أصبح بايدن أول رئيس أميركي يعترف رسميا بمذبحة الأرمن 1915-1916 في عهد الإمبراطورية العثمانية على أنها إبادة جماعية.

وبالنظر للاختلافات الثقافية والسياسية حول هذا الملف يبدو حل هذا الملف غير قابل للحل، حيث يسعى حزب العدالة والتنمية لتحقيق أهدافه الأيديولوجية في الداخل وتحاول إدارة بايدن إعادة تأكيد اهتمام الولايات المتحدة بحقوق الإنسان على النحو الذي حدده الغرب في الخارج.

وقبل الانتخابات الوطنية المقرر إجراؤها في يونيو 2023، سيعطي حزب العدالة والتنمية أولوية متزايدة للسياسات المصممة لتقوية الحزب. وتعارض الأحزاب السياسية التركية انشاء دستور جديد لتركيا اقترحه حزب العدالة والتنمية الحاكم وحلفه حزب الحركة القومية.

وتعتقد تلك الأحزاب أن دستور أردوغان المقترح والذي من المقرر أن يقدم حزب العدالة والتنمية نسخة منه، يهدف لتعزيز قبضة الرئيس وحزبه على السلطة.  

ويُعتقد أن الدستور الذي يحشد له حزب أردوغان وحليفه (الحركة القومية) ينحرف بتركيا عن مسار دولة القانون والتعددية السياسية وهو أمر يقلق واشنطن.  

ومن المرجح أيضا أن يواصل الحزب الحاكم محاولة قمع أحزاب المعارضة مثل حزب الشعوب الديمقراطي الذي يهيمن عليه الأكراد. وتندد الولايات المتحدة بمثل هذه السياسات وربما تحاول الضغط على تركيا لوقفها إما بفرض عقوبات أو التهديد بها، مما يؤجج التوتر بين أنقرة في واشنطن.

وتنظر محكمة تركية في دعوى تقدم بها العدالة والتنمية لحظر حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد وهو حزب معارض بارز سيؤدي استبعاده من المشهد السياسي إلى تعزيز حظوظ العدالة والتنمية في الانتخابات القادمة.

كما يمثل تحالف حزب العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية معضلة أخرى تجعل من خروج واشنطن وأنقرة من مربع الخلافات أمرا بعيد المنال، فحزب الحركة القومية معروف بمعارضته تقديم التنازلات للولايات المتحدة وأوروبا.

ودون حزب الحركة القومية، لا يتمتع حزب العدالة والتنمية بأغلبية برلمانية ولن يكون قادرا على تمرير التشريعات دون الدعوة إلى انتخابات جديدة.

This block is broken or missing. You may be missing content or you might need to enable the original module.