كيف يواجه الأدباء الأتراك قمع الحكومة وعنفها

إسطنبول – يلجأ الأدباء الأتراك الذين يجدون أنفسهم في مواجهة قمع الحكومة وعنفها إلى التحدي بالكتابة والأدب، والمراهنة على ثقة الشعب ورغبته القوية بالتحرّر من سلطة الاستبداد، والعيش في فضاء حرّ يكفل لأبنائه ممارسة حرّياتهم والقيام بالواجبات الملقاة على عاتقهم، بعيداً عن أيّ تجريم قد يمارس بحقّهم..

يتبدى الأدب كأنجع وسيلة سلمية للأدباء الأتراك للتصدي للعنف الممنهج الذي تحرص الحكومة على ممارسته بحقّ الحريات العامة، وحرية التعبير، وحرية الصحافة ضمناً، بحيث التركيز على الدعوات الإنسانية بديلاً عن تلك الدعوات التي تساهم بتقسيم المجتمع، وزرع بذور الفتن والنزاعات بين مختلف أطيافه.

يؤكّد الأدباء الأتراك المناهضون للاستبداد أنّ الاختلاف ليس جريمة، وأنّ حرية الرأي يجب أن تكون مقدّسة، وأنّ من غير المناسبة تحويل البلاد إلى محاكم تفتيش، والحكم على دعاة الحرية من الأدباء والنشطاء بالسجن لمدد طويلة، وكأنّهم قتلة ومجرمون..

تركيا التي باتت توصف بأنّها أكبر سجن للصحفيين في العالم، والتي تراجعت فيها الحريات الصحافية بشكل كبير وخطير بعد محاولة الانقلاب الفاشل منتصف يونيو 2016، والتي استغلها الرئيس أردوغان للتنكيل بخصومه، بحسب ما يشير معارضوه، تعيش مناخ الرعب والخوف، ويتمّ التضييق فيها على أصحاب الرأي المستقلين، بغية ترويعهم وإسكاتهم.

الروائي التركي أحمد ألتان المحكوم عليه بالإعدام، يقول: "قالوا لنا: لن تنتقدونا، ورددنا عليهم بقولنا: سنظل ننتقدكم. نحن لسنا خائفين منكم. افعلوا بنا ما يحلوا لكم. سنوجه سهام نقدنا إلى صدوركم طالما تنتهكون القانون. هل ستسجنوننا؟ رأينا ما حدث. هل سترسلون بنا إلى هناك مرة أخرى؟ لا توجد مشكلة، سنذهب مرة أخرى إلى السجن".

هدّدت السلطات الحكومية ألتان أثناء الجلسات بأنه سيلفظ أنفاسه الأخيرة داخل السجن، ولكنه ردّ عليهم رداً حاسماً: "لم آت هنا لأستمع إلى حكم ستصدرونه في حقي، وإنما جئت لأحكم أنا عليكم. أنا على استعداد لأن أموت داخل السجن" وأضاف: "وماذا عنكم أنتم؟ هل أنتم على استعداد أيضًا للموت داخل السجن؟".

وكتب جان دوندار رئيس التحرير السابق لصحيفة جمهورييت التركية، في مقال افتتاحي لصحيفة واشنطن بوست، إن أردوغان يستخدم فيروس كورونا لمواصلة قمع عشرات الآلاف من السجناء السياسيين في البلاد.

وقال في تعليقه على مشروع حزب العدالة والتنمية لتقديم قانون إلى البرلمان يتيح الإفراج عن 90 ألف من 300 ألف سجين في تركيا لحمايتهم من فيروس كورونا: "سيبقي في السجن كثير من الصحفيين والسياسيين والناشطين والمواطنين العاديين الذين سجنوا لانتقادهم الحكومة، التهمة التي تعادل التواصل مع الجماعات الإرهابية، في حين سيتم إطلاق سراح الأشخاص المسجونين الذين ارتكبوا جرائم خطيرة."

جاند دوندار وأصلي أردوغان
الحكومة التركية تنكّل بالأدباء

كما تؤكّد الروائية أصلي أردوغان التي تمّت تبرئتها من قبل محكمة في إسطنبول من تهم "محاولة المساس بسلامة الدولة" و"الانتماء إلى مجموعة إرهابية"، أنّ تركيا كنظام بدأت تشن حربًا مفتوحة على حقوق الإنسان والأدب، والأسوأ من ذلك الضمير؛ وذلك من خلال إصرارها على ملاحقة الأبرياء مثلها.

وسبق لأصلي أردوغان، المنفية في ألمانيا أن أبدت قلقها على مستقبل بلادها في ظلّ حكم أردوغان، ووصفتها بأنها أشبه ما تكون بألمانيا قبل أن يشتدّ فيها حكم النازيين في الأربعينيات من القرن الماضي. وقالت إنّ "الطريقة التي تسير بها الأمور في تركيا تشبه ألمانيا النازية".

وقد أنجز العديد من الأدباء الأتراك أعمالاً لافتة من خلف القضبان، ومن هؤلاء السياسي المعارض صلاح الدين دميرطاش، الذي يتحدّى من داخل سجنه القمع الحكومي، وهو الذي اعتقل منذ أكثر من ثلاث سنوات، ويتهم بإدارة "منظمة إرهابية" والقيام بـ"دعاية إرهابية" و"التحريض على ارتكاب جرائم"، ويواجه بالتالي عقوبة السجن مدة تصل إلى 142 سنة.

ويعتبر دميرطاش أن الكتابة شكل من أشكال "المقاومة" لرتابة الحياة في السجن وقال "كل شيء يتم فعله لإضعاف الإرادة وتدمير شخصية الرجال".

صلاح الدين دميرطاش
الكتابة أداة مقاومة

وأعلن الروائي الحائز على جائزة نوبل، أورهان باموك، أن الديمقراطية التركية موجودة فقط في صناديق الاقتراع، في حين أشار إلى ما أسماه الحالة السياسية المروعة للبلاد. وقال: "إذا لم تكن متشائمًا حتى اليوم، فهذا أمر تُحمد عليه... تركيا دولة فظيعة، وحالتها السياسية مروّعة أيضًا".

وكان باموك منتقدًا صريحًا للحكومة التركية، حيث تحدث بصوت عالٍ ضد الأحكام الصادرة بحق الكتّاب الأتراك، وقال إن البلاد تتجه إلى نظام الإرهاب، ودعا الزعماء الأوروبيين إلى اتخاذ موقف أكثر صرامة مع أنقرة بشأن حرية التعبير.

ووجّه باموك الذي عارض موجة الإسلام السياسي، وقال عنها "لقد تبددت أسطورة الإسلام السياسي ورونقه"، انتقادات إلى الرئيس رجب طيب أردوغان، في وقت سابق، وقال "في السنوات الخمس أو الست الأولى من حكمه، كان يغازل الاتحاد الأوروبي تجنبا لوقوع انقلاب عسكري عليه، ولكنه بعدما تمكن من الحكم تراجع اهتمامه بالديمقراطية".

وكانت الروائية التركية الشهيرة أليف شفق أعربت في أكثر من مرة، عن خشيتها على مستقبل بلادها، مؤكدة أن "المناخ المسمّم سيكون سبباً يزيد صعوبة إنتاج المؤلفين والفنانين لأعمال أدبية وفنية. هناك بالفعل رقابة ذاتية على نطاق واسع بين الأدباء بسبب القمع السياسي. من الآن فصاعداً، سيكون لدينا المزيد من ذلك".

This block is broken or missing. You may be missing content or you might need to enable the original module.