كيف ولماذا تحول أنقرة دون المصالحة الكردية - الكردية في سوريا

إسطنبول - أثارت المفاوضات الجارية بين المجلس الوطني الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي، من أجل تشكيل إدارة جديدة مشتركة للمنطقة التي تديرها الإدارة الذاتية الكردية، حفيظة السلطات التركية التي استنفرت قواها وأتباعها من أجل الحؤول دون إتمام المفاوضات ووصولها لأية نتيجة يمكن أن تساهم بتأسيس نواة لإدارة كرديّة جديدة محتملة في سوريا.

ويشكّل أيّ تقارب كرديّ - كرديّ، سواء في سوريا، أم في الدول المجاورة، مصدر قلق ورعب للسلطات التركية التي تحارب أيّ مشروع كرديّ يمكن أن يؤسّس لأيّ كيان مستقبليّ محتمل، ذلك أنّ الرعب من الأحلام الكردية يظلّ هاجسها الدائم، ويقود بوصلتها نحو التورّط في الأزمات في المنطقة، بزعم محاربة الإرهاب..

ويجد أردوغان في التشدّد حيال المسألة الكردية في سوريا سبيلاً لتعزيز تحالفه مع حزب الحركة القومية اليميني المتطرّف، وتمتيناً له، وذلك في وقت تتصاعد فيه حدّة الانتقادات لسياساته الداخلية، وتعاطيه مع الأزمات، ومع أزمة كورونا بشكل خاصّ، بحيث يعمل على تحوير الأنظار إلى الخارج، وتضخيم الخطر الكرديّ على الحدود، لترحيل الأزمة الداخلية، والتغطية عليها، إلى حين، حتّى يعثر على مخرج يلائمه، ويحرج معارضيه.

وجاءت الأخبار بشأن الحوارات بين المجلس الكردي، والاتحاد الديمقراطي، والتي وصفت بأنّها تعقد في سرية وبرعاية أميركية وفرنسية، لتشكّل ضغطاً على أنقرة التي استشعرت الخطر الكرديّ، الذي يقضّ مضجع الرئيس أردوغان الذي يوصف بدوره أنّه يعادي كلّ ما من شأنه بلورة إدارة كردية في سوريا، ويعتبرها تهديداً على أمن بلاده القومي.

ومن هنا يتساءل مراقبون إلى أيّ حدّ يمكن أن تلعب أنقرة دوراً في الضغط على الولايات المتّحدة وفرنسا من أجل إفشال أيّ مساعٍ لتشكيل إدارة كردية مشتركة، ولإزاحة حزب الاتحاد الديمقراطي الذي تنعته بالإرهاب عن إدارة المناطق الكردية شمال شرق سوريا، وهل ترضخ واشنطن وباريس لضغوطها أم ستمضيان في سياستهما بتوحيد الصف الكردي السوري، للانتقال إلى مرحلة جديدة من التنسيق وإدارة مناطق الإدارة الذاتية الكردية.

ويبدو أنّه في ظلّ التطوّرات المتسارعة في المنطقة لن يملك أردوغان، وهو يتخبّط في أزماته الاقتصادية والسياسية، أوراق قويّة تساعده في الحؤول دون إتمام التفاهم الكردي – الكردي، وبخاصّة أنّ واشنطن تبدو مصمّمة على المضيّ في المسألة لحين إنجاز مخطّطاتها، التي لا تتقاطع مع مخططات تركيا في المنطقة الكردية بسوريا.

وتدّعي تركيا أنّ الولايات المتحدة وفرنسا تمارسان ضغوطاً على المجلس الوطني الكردي للانسحاب من الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وتشكيل كتلة سياسية جديدة مع حزب الاتحاد الديمقراطي. وأنّ ذلك يأتي ذلك ضمن مساعٍ من البلدين لإضفاء مشروعية دولية على الاتحاد الديمقراطي الذي تصفه تركيا بالإرهاب، من خلال استغلال شرعية المجلس الوطني الكردي.

والمجلس الوطني الكردي الذي تأسس في 26 أكتوبر 2011، في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق، من 15 حزبا وفصيلا من أكراد سوريا، برعاية الرئيس السابق لكردستان العراق مسعود بارزاني، منضوٍ في إطار الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، والذي يوصف من قبل شريحة كبيرة من السوريين بأنّه يتبع أوامر الحكومة التركية، ويلبّي إملاءاتها وطلباتها، ويتبع سياساتها، وينفّذ أجنداتها في سوريا، ما يضعه في موقف التابع للسياسة التركية في سوريا، ويفقده استقلاليته المفترضة.  

ومع انتشار تسريبات حول احتمال انسحاب المجلس الوطني الكرديّ من الائتلاف الوطني السوري المعارض، فإنّ السلطات التركية سارعت إلى تصدير تشكيل كردي آخر على عجل في الائتلاف، ليسدّ أيّ فراغ محتمل حين انسحاب المجلس الكردي، وليؤكّد مزاعمها بأنّ الائتلاف يمثّل جميع المكونات السورية، ولا حاجة للمجلس الكردي أو غيره، وستبدأ بكيل الاتهامات للمجلس الوطني الكردي الذي ظلّ قريباً منها لسنوات.  

واشنطن تدير حواراً بين الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي
واشنطن تدير حواراً بين الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي

وبحسب ما أعلنت الأناضول، وما يعبّر عن توجّس تركيا السياسيّ ويظهر مخاوفها المتفاقمة من أيّ تفاهم كردي - كردي في سوريا، فإنّ الولايات المتحدة وفرنسا طلبتا من المجلس الوطني الانسحاب من الائتلاف وتشكيل كتلة سياسية مع الاتحاد الديمقراطي، لتمثيل الأكراد في المفاوضات حول الوضع في سوريا، وأنّهما طلبتا أيضا من رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، المساعدة في الضغط على أعضاء المجلس للقبول بهذا الطلب، بصفته الداعم الأكبر لهم.

وتقول تركيا إنّ واشنطن وباريس تسعيان من خلال هذا التحرك إلى سحب الورقة الكردية من يد الائتلاف، ووضعها في يد إدارة جديدة تنويان إنشاءها شمال شرقي سوريا مكونة من الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي. كما تقول إنّه تم الاتفاق، حتى الآن، على معظم الجوانب الإدارية والسياسية والمالية، والتفاهم على إنشاء إدارة مشتركة بين الجانبين تقوم على أساس التعيين.

وفي هذا السياق، نشرت وكالة الأناضول الأسبوع الماضي بياناً لما يسمّى بـ"رابطة المستقلين الكرد السوريين"، وهي رابطة تابعة للسلطات التركية وتأتمر بأوامرها، بحسب ما يؤكّد ناشطون أكراد سوريون، دعت فيه المجلس الوطني الكردي إلى مطالبة حزب الاتحاد الديمقراطي بفك ارتباطه مع حزب العمال الكردستاني ومغادرة عناصره سوريا.

والرابطة التي انضمت الأسبوع الماضي للائتلاف الوطني السوري المعارض، تعرّف نفسها بأنّها تجمّع مستقل للأكراد السوريين ينشط سياسيا واجتماعيا وتنمويا، ويضم المستقلين الأكراد من كافة الشرائح الاجتماعية المؤدية لـ"الثورة السورية" وأهدافها، ويتعاون مع فئات المعارضة حتى إسقاط نظام بشار الأسد في سوريا.

وأضاف البيان أنّه انطلاقا من المصلحة الوطنية السورية، ومن مصلحة القضية الكردية في سوريا، نعلن رفضنا لهذه الحوارات وعدم الاعتراف بأي اتفاق ينتج عنها. واعتبرت الرابطة أن أي حوار كردي لوحدة الصف، يتطلب شرطا أساسيا جوهريا، أن تكون سوريا مستقلة، وأن لا يجري بسرية وبمعزل عن باقي القوى السياسية، وقالت إنّه كان من المفترض على المجلس الكردي، أن يطالب الاتحاد الديمقراطي بعدة أمور، اختصرها في مغادرة من وصفهم بكوادر العمال الكردستاني لسوريا، وفك الارتباط مع الكردستاني والنظام السوري، والالتزام بمسار جنيف للمفاوضات، والاعتذار عن الانتهاكات، بالإضافة إلى القبول بإدارة مدنية دون إقصاء أي مكون من مكونات الجزيرة السورية، والإعلان بصراحة ووضوح تام للانحياز إلى مطالب الثورة السورية وأهدافها ومبادئها.

ولا يخفى أنّ كراهية الأكراد تقود الحكومة التركية في سياساتها وممارساتها، ويشكّل أيّ تحرّك كرديّ مثار غضب لها، ويجعلها تسارع إلى وأده، أو تشويهه وإلصاق تهم الإرهاب به، لمنع تطوير التجربة التي يمكن أن تشكّل عدوى لأكراد تركيا البالغ عددهم قرابة عشرين مليون، ما يمثّل تهديداً لأمنها القومي، بحسب ما تزعم، وتهديداً وجودياً لها.  

وتأكيداً على ذلك، يقول الأكاديمي جمال أوزكرامان في مقال لصحيفة جيروزاليم بوست إن القومية التركية والمخاوف الأمنية المحيطة بالقضية الكردية تشكل سياسة أنقرة في سوريا، بما في ذلك تدخلها الأخير في محافظة إدلب التي يسيطر عليها المتمردون.

ويلفت أوزكرامان أن أهم سبب وراء الوجود التركي في إدلب وأجزاء أخرى من سوريا هو "كراهية كردستان". ويضيف بأن تركيا لا تستطيع تحمل أي احتمال لتقرير المصير الكردي أو حتى حقوق الإنسان الأساسية سواء في الداخل أو خارج الحدود التركية، وهذا هو السبب في أن تركيا تهاجم باستمرار المناطق الكردية في سوريا كلما سنحت الفرصة لها.

وأدّى انهيار عملية السلام التركية مع حزب العمال الكردستاني في يوليو 2015، ومخاوفها من أن الأكراد السوريين سيكتسبون المزيد من الشرعية بعد أن أصبحوا شريك الولايات المتّحدة الرئيسي ضد الدولة الإسلامية، إلى قيام أنقرة بالعديد من العمليات العسكرية بالتعاون مع الميليشيات الإسلامية السورية المتحالفة معها ضد القوات الكردية في شمال سوريا منذ عام 2016.