كيف تخدم عمليات داعش ضدّ الأكراد سياسات أنقرة بالمنطقة

القامشلي – هل بدأ تنظيم داعش بعملياته الانتقامية ضدّ الأكراد؟ كيف تخدم العمليات الانتقامية والتفجيرات الإرهابية التي يقوم بها عناصر من تنظيم داعش سياسات تركيا في المنطقة؟ إلى أيّ حدّ هناك تنسيق بين داعش وتركيا؟

يصنّف تنظيم داعش الأكراد كأعداء وخونة وكفّار، ويدعو عناصره لقتلهم بمختلف السبل، وهذا التصنيف هو نفس التصنيف الذي تضعه أنقرة للأكراد السوريين، وتزعم أنّها لا تقصد جميع الأكراد، إنّما تقصد حزب الاتحاد الديمقراطي الذي تعتبره امتداداً لحزب العمال الكردستاني الذي تضعه على لائحة الإرهاب.

وفي العملية العسكرية التي شنّها الجيش التركي بالتعاون مع ميليشيات متشدّدة ممّا يسمّى بالجيش السوري الحرّ، تكرّرت الاتّهامات للأكراد بالكفر، وظهرت دعوات من قبل المتشددين الإسلاميين والمتطرفين الأتراك، بقتل الكفّار والملاحدة الأكراد، ووصف الرئيس التركي أردوغان القوات التي تهاجم الأكراد بالجيش المحمّدي، والمقاتلين الإرهابيين بالمحمديين، وذلك من باب إسباغ الصيغة الدينية على العملية العسكرية، وإظهارها على أنّها جهاد ضدّ الكفّار، وهو القناع والشعار الذي ينفّذ من خلاله داعش هجماته وتفجيراته الإرهابية.

تزعم تركيا أنّها قادرة على ضبط الأمن بالمنطقة الحدودية، والقضاء على خطر داعش ومحاربة العناصر المتطرفة، وذلك للتأكيد للولايات المتّحدة وأوروبا أنّها تحارب التطرّف، وتتمكّن من سحب البساط من تحت قوّات سوريا الديمقراطية التي حاربت تنظيم داعش وقضت عليه بدعم من التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن.

وتعمل أنقرة على زعزعة الأمن في المنطقة، وضرب المناطق التي يسيطر عليها الأكراد، وذلك لإرغام الدول اللاعبة والمؤثرة في الملف السوري بالعودة إليها وتلبية طلباتها، والإقرار لها بأنّها يمكن أن تضمن الأمن في المنطقة الحدودية.

يلفت محلّلون إلى أنّ العمليات الإرهابية التي تنفّذها خلايا داعشية تخدم مصالح أنقرة وسياساتها في المنطقة، وتشكّل ضغطاً على القوى الأجنبية الموجودة في سوريا للتنسيق معها، وتكليفها بإدارة المنطقة التي تطالب بها.

قبل أيام توقع القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي أن يثأر تنظيم الدولة الإسلامية، وذلك بعد الإعلان عن مقتل البغدادي، وقال: كل شيء متوقع بما في ذلك مهاجمة السجون. وجاء تحذيره عقب فرار عشرات المعتقلين من عناصر تنظيم الدولة الإسلامية بعد إطلاق الهجوم التركي.

وتبنى التنظيم خلال الأشهر الماضية اعتداءات دموية عدة، كان آخرها تفجير آلية مفخخة في مدينة القامشلي أسفرت عن مقتل ستة أشخاص في اليوم الثالث من الهجوم التركي ضد المقاتلين الأكراد.

وذكرت تقارير إعلامية أنه في ذروة دولة الخلافة، التي أعلن عنها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، كان مطار كمال أتاتورك في إسطنبول يستقبل الآلاف من المقاتلين القادمين من مختلف أنحاء العالم الذين عبروا الحدود التركية السورية للالتحاق بالتنظيم، كما كانت المستشفيات التركية تعالج جرحى داعش. وتحدثت تقارير عن توفير الحكومة التركية لمعسكرات لتدريب عناصر التنظيم.

وأشارت إلى أنّه بينما كان أردوغان يقول أمام وسائل الإعلام وفي المحافل الدولية "نحن من بدأ تركيع داعش الإرهابي، بعدما أصبح من أكبر التحديات التي تواجه الإسلام"، كان رجال مخابراته يشرفون على عمليات تسفير المقاتلين، من خلال تحريك أذرعه الإخوانية في عدة دول لاستقطاب الشباب في مرحلة أولى ثم تسهيل عمليات مرورهم عبر الحدود التركية السورية في مرحلة ثانية.

هل هناك تنسيق بين داعش وتركيا
هل هناك تنسيق بين داعش وتركيا

وقتل ستة مدنيين على الأقل الاثنين جراء تفجير سيارتين ودراجة مفخخة في مدينة القامشلي ذات الغالبية الكردية في شمال شرق سوريا الإثنين، وفق ما أفاد المرصد السوري لحقوق الانسان ومصدر كردي.

ووقعت هذه التفجيرات بعد وقت قصير من تبني تنظيم الدولة الاسلامية قتل كاهن من المدينة مع والده أثناء توجههما إلى مدينة دير الزور في شرق البلاد.

وضربت ثلاثة تفجيرات مدينة القامشلي، استهدف أحدها وفق المرصد منطقة مكتظة في سوق وسط المدينة وثان قرب مدرسة، ما تسبب بمقتل ستة مدنيين على الأقل وإصابة 22 آخرين بجروح.

وشاهد مراسل فرانس برس في المدينة سيارات متفحمة ودخاناً يتصاعد من موقعين على الأقل، بينما عمل مسعفون على نقل الجثث والجرحى وانهمكت سيارات الاطفاء باخماد النيران.

وغالباً ما تعرضت المدينة لاعتداءات دمويّة عدّة خلال سنوات النزاع، تسبّب أكبرها في يوليو 2016 بمقتل 48 شخصاً على الأقلّ وإصابة العشرات بجروح وفق المرصد، جرّاء تفجير شاحنة مفخّخة في المدينة، تبنّاه تنظيم الدولة الإسلامية.

ويتقاسم الأكراد وقوات النظام السيطرة على مدينة القامشلي منذ العام 2012، حين انسحبت قوات النظام تدريجياً من المناطق ذات الغالبية الكردية. وتحتفظ دمشق بمقار حكومية وادارية وبعض القوات، لا سيما في مدينتي الحسكة والقامشلي.

وقتل الاثنين كاهن كنيسة الأرمن الكاثوليك في مدينة القامشلي ووالده أثناء توجههما إلى دير الزور للإشراف على عملية ترميم كنيسة فيها، وفق المرصد، بعد تعرضهما لاطلاق نار من مسلحين.

وفي وقت لاحق، تبنى تنظيم الدولة الإسلامية في بيان تناقلته حسابات جهادية تنفيذ الاعتداء. ونشر صورة عن بطاقة الكاهن ويدعى الأب إبراهيم حنا بيدو صادرة عن أبرشية الأرمن الكاثوليك في شمال شرق سوريا.

ومنذ إعلانهم القضاء على "خلافة" تنظيم الدولة الإسلامية، يطالب الأكراد الدول المعنية باستعادة مواطنيهم المحتجزين لديهم أو إنشاء محكمة دولية لمحاكمة الجهاديين، إلا أن غالبية الدول، وخصوصاً الأوربية، أصرت على عدم استعادة عناصر التنظيم، ويبدو أن الهجوم التركي أجبر تلك الدول على البحث عن حلول بديلة.

وأعلنت الإدارة الذاتية الكردية قبل أيام “فرار 785 شخصاً” من أفراد عائلات تنظيم الدولة الإسلامية من مخيم عين عيسى بعد سقوط قذائف أطلقتها القوات التركية قربه.

وازدادت الخشية مؤخراً من انتعاش تنظيم داعش مجدداً، خصوصاً أن الهزيمة الميدانية التي مُني بها على يد قوات سوريا الديمقراطية، لم توقف خلاياه النائمة عن شنّ هجمات دموية.

وأثار الهجوم التركي في شمال سوريا الذي أُطلق في التاسع من أكتوبر ضد القوات الكردية في شمال شرق سوريا، الخشية من عودة التنظيم والتخوف من احتمال حصول فرار جماعي من سجون ومخيمات يديرها المقاتلون الأكراد المنهمكون حالياً في صدّ العملية العسكرية ضدهم.

ورغم التوصل إلى اتفاق روسي تركي في 22 أكتوبر ينصّ على وقف الهجوم التركي، إلا أنه لا يزال هناك خشية حول مصير الآلاف من مقاتلي التنظيم وأفراد عائلاتهم في هذه المنطقة.