كيف ساعد توغل تركيا الأخير شمال شرق سوريا الأكرادَ السوريين

في حين عانت الحركة السياسية الكردية في تركيا بشكل كبير في الآونة الأخيرة من الاضطهاد الحكومي المستمر، إلا أنه يبدو أن الأكراد في شمال شرق سوريا حققوا مكاسب كبيرة نتيجة الغزو العسكري التركي الأخير.

وفي أكتوبر 2019، أعلن الرئيس دونالد ترامب أن القوات الأميركية ستنسحب من شمال شرق سوريا لتمكين تركيا من تطهير مناطقها الحدودية من قوات سوريا الديمقراطية بقيادة الأكراد، والتي تعتبرها أنقرة امتدادًا لحزب العمال الكردستاني.

شن حزب العمال الكردستاني تمرداً في تركيا منذ أكثر من ثلاثة عقود وتطلق عليه كل من تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي جماعة إرهابية. لكن البنتاغون أغضب تركيا في عام 2015، عندما اشترك مع قوات سوريا الديمقراطية في القتال ضد داعش.

وعندما تحدثت "أحوال" مع محلل الشؤون الكردية، عبد الله حويز في نوفمبر، وصف تسليط العالم الأضواء على الأكراد نتيجة لغزو تركيا لشمال شرق سوريا بأنه فرصة للأكراد السوريين والأتراك. ولكن بعد مرور ستة أشهر، يبدو أن المجموعتين تسيران في اتجاهين متعاكسين.

وفي فبراير، اختار حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد مدحت سانكار وبرفين بولدان كزعماء جدد للحزب، وهي خطوة اعتبرها المراقبون محاولة لتقليل العداء مع الرئيس رجب طيب أردوغان وحكومة حزب العدالة والتنمية. ولكن باءت هذه الخطوة بالفشل. وبعد ذلك بشهر، قامت السلطات التركية بطرد ثمانية من رؤساء البلديات من حزب الشعوب الديمقراطي بدعوى ارتباطهم بالإرهاب. وبعد ستة أسابيع من ذلك، فصلت السلطات واحتجزت أربعة عمداء آخرين تابعين لحزب الشعوب الديمقراطي.

ومنذ أن أصبح حزب الشعوب الديمقراطي أول حزب مؤيد للأكراد يكسر عتبة الـ 10 بالمئة ويدخل البرلمان في عام 2015، أقالت حكومة حزب العدالة والتنمية أكثر من 120 عمدة ينتمون إلى حزب الشعوب الديمقراطي عبر شرق تركيا وجنوب شرقها، بما في ذلك 45 من أصل 65 من رؤساء بلديات حزب الشعوب الديمقراطي الذين فازوا في الانتخابات المحلية التركية في مارس 2019.

ويمكث زعيما الحزب السابقين، صلاح الدين دميرطاش وفيغن يوكسيداج، في السجن منذ أكثر من ثلاث سنوات، إلى جانب عشرات السياسيين الأكراد الآخرين.

وفي الأسبوع الماضي فقط، ربط أردوغان مرة أخرى بين حزب الشعوب الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني وقال في الانتخابات إن حزب العدالة والتنمية سوف يسحق حزب الشعوب الديمقراطي كلما احتفظ بالميليشيات الكردية. ورداً على ذلك، دعا حزب الشعوب الديمقراطي إلى إجراء انتخابات جديدة في البلديات التي تم فيها فصل عمداء حزبه - وهو نفس الرد الذي قدمه الحزب في نوفمبر الماضي.

وقال حويز لأحوال "التصريحات التي نراها من قادة حزب الشعوب الديمقراطي ضعيفة حقًا. يبدو أنهم يستسلمون ولا يحاولون بعد الآن".

استقال عضو البرلمان البارز من حزب الشعوب الديمقراطي، أحمد شيخ، الصحافي التركي المعروف الذي سُجن بسبب تقاريره، من الحزب في وقت مبكر من هذا الشهر، مشيرًا إلى نهج يتعارض مع الممارسات الديمقراطية وينقل الحزب بعيدًا عن نقاط قوته وقيمه.

وحث كاتب العمود التركي المخضرم، جنكيز أكتار، حزب الشعوب الديمقراطي على اتخاذ خطوات أكثر جرأة، مثل الانسحاب من البرلمان أو تنظيم أعمال احتجاجية. وقال حويز "الحزب يفقد قوته لأنه لم يعد قادراً أو غير راغب في تقديم هذا النوع من التنديد والانتقاد الجرئ الذي يتطلبه الوضع. هذا ينفر المزيد والمزيد من قاعدة ناخبي حزب الشعوب الديمقراطي في المناطق الكردية. لدي شخصيا الكثير من الأصدقاء الأكراد الأتراك الغاضبين جدا من حزب الشعوب الديمقراطي وكيفية تعامله مع الوضع".

وفي غضون ذلك، عانى المجتمع الكردي في شمال شرق سوريا بشكل كبير من عملية نبع السلام التركية في أكتوبر 2019، والتي أثارت تقارير عن جرائم الحرب والتطهير العرقي.

ومع ذلك، فقد اكتسبوا أيضًا أرضية بطرق عديدة. في البداية، وبسبب الاهتمام الإعلامي الداعم الكبير في الأسابيع الأولى من العملية العسكرية التركية - بالإضافة إلى المعارضة الحزبية لخطة ترامب للتخلي عن قوات سوريا الديمقراطية - بقيت مجموعة من القوات الأميركية في شمال شرق سوريا واستمرت في التعاون مع قوات سوريا الديمقراطية.

وقال حويز "لقد ساعدهم التضامن العالمي مع الأكراد السوريين كثيرًا. كان ذلك بشكل جزئي بسبب كل هذا التضامن الدولي الذي دفع الإدارة الأميركية إلى وقف انسحابها الكامل".

لو انسحبت القوات الأميركية بالكامل، لكان من المحتمل أن يتم سحق قوات سوريا الديمقراطية مما سيدفعها إلى التحول إلى الرئيس السوري بشار الأسد لطلب الحماية، كما توقع العديد من المحللين. وبدلاً من ذلك، فإن الدفاع القوي لقوات سوريا الديمقراطية عن منطقة شمال شرق سوريا، إلى جانب هزيمتها لداعش والعديد من الجنود الذين خسرتهم في تلك المعركة، عزز سمعتها إلى درجة أن ما يصل إلى 65 بالمئة من الأكراد السوريين يدعمونها الآن، وفقًا لحويز.

وأيضًا، بسبب بقاء القوات الأميركية، فإن الأكراد السوريين لديهم الآن فرصة للوحدة والتعزيز. وقد أرسلت الولايات المتحدة وفرنسا وفود إلى المنطقة لتشجيع الاتحاد بين المجموعتين الكرديتين الرئيسيتين، وهما حزب الاتحاد الديمقراطي، وهو الذراع السياسي لقوات سوريا الديمقراطية، والمجلس الوطني الكردي، الذي يرتبط بشكل وثيق بمنطقة كردستان العراق.

وقال حويز "الطريقة الوحيدة التي أعتقد أنها ستمكّن الأكراد السوريين من تجنب الغضب التركي هي محاولة الجمع بين الأكراد أولاً وقبل كل شيء، ثم محاولة إبعاد قوات سوريا الديمقراطية عن حزب العمال الكردستاني بطريقة ما. يعتمد مدى نجاح ذلك على مدى استعداد كل من قوات سوريا الديمقراطية والمجلس الوطني الكردي لتقديم تنازلات".

لم يتوقع حويز أن يضحي المجلس الوطني الكردي بعلاقاته مع تركيا من أجل عقد صفقة مع قوات سوريا الديمقراطية. ومع ذلك، أشار إلى فائدة أخرى للغزو التركي: من خلال وضع زعيم قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، في دائرة الضوء العالمية، فقد مكنه من صياغة الكثير من سياسة المجموعة وكبح نفوذ حزب العمال الكردستاني.

وقال حويز "لدى الأكراد السوريين الآن شخصية يعتبرونه زعيماً لهم، وهي نقطة مهمة لأي مجموعة. إن ارتباط قوات سوريا الديمقراطية بحزب العمال الكردستاني ليس قويا كما كان من قبل".

وبشكل قاطع، لا يزال الأكراد السوريون يواجهون عقبات كبيرة.

حيث خضعت الأمم المتحدة الأسبوع الماضي لضغوط من روسيا والأسد وأوقفت تمويل مجموعات الإغاثة التي تقدم الإغاثة الطبية إلى شمال شرق سوريا. لكن حويز رأى أن هذا أحدث تأثيراً ضئيلاً حيث استجابت المنطقة التي يديرها الأكراد والمعروفة باسم روجافا بشكل جيد للوباء ولم تواجه المنطقة خطر حدوث تفشي كبير أو أزمة إنسانية في الأشهر المقبلة.

لكن حويز قال إن التهديد بتوغل تركي آخر بعد جرابلس وعفرين ورأس العين ظل قويا. وفي الأسابيع الأخيرة، عرضت روسيا والأسد رواتب مغرية للشباب العربي في المنطقة للتخلي عن قوات سوريا الديمقراطية والانضمام إلى ميليشيا جديدة.

وقال حويز "إنهم يعلمون في مرحلة ما أن الولايات المتحدة ستنسحب، لذا فهم يحاولون بناء هذه الميليشيات لاستخدامها كوسيلة ضغط ضد قوات سوريا الديمقراطية في المستقبل".

قد يفسر هذا أحدث مشروع للبنتاغون، الذي خصص تمويلًا للمساعدة في بناء قوة خاصة من قوات سوريا الديمقراطية يصل قوامها إلى 10 آلاف جندي تحت قيادة عبدي.

وقال حويز "لقد قرأت تقريرين على الأقل حول هذا الموضوع"، مضيفاً أن الأخبار ظهرت في شبكة الأخبار الكردية العراقية رووداو. "ربما يكون الغرض من هذه القوة هو حماية هذه المنطقة في المستقبل وتعزيز مكاسب قوات سوريا الديمقراطية ضد الأتراك والأسد".

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/syria-kurds/how-turkeys-latest-incursion-northeast-syria-helped-syrian-kurds