كردستان وفن الرقابة الذاتية في تركيا

سلطت التقارير الإخبارية في الآونة الأخيرة الضوء على مدى الرقابة والرقابة الذاتية في قطاعي النشر والترفيه في تركيا، مع حذف الإشارات إلى كردستان أو تخفيفها في الأعمال الدولية من فيلم (في فور فانديتا) عام 2005 إلى كتاب الرحلات (سياحت نامه) للرحالة العثماني الشهير أوليا جلبي في القرن السابع عشر.

يقول الخبراء إن دفاع الدولة التركية عن القومية التي تتعارض بشدة مع الأقليات السكانية في البلاد، لا سيما أكبر الأقليات العرقية، الأكراد، يأتي في قلب هذا الميل إلى الرقابة.

وقد أدى ذلك إلى تناقضات خطيرة بين النسخة الرسمية لتاريخ تركيا والوثائق والتحف التي تعود إلى تاريخها الإمبراطوري، إلى جانب المعرفة المعترف بها على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم.

وبالتالي، فإن المجزرة التي قُتل فيها ما يصل إلى 1.5 مليون من الأرمن خلال الحرب العالمية الأولى، والتي يعترف بها معظم الباحثين والكثير من الدول باعتبارها إبادة جماعية، تنفيها أنقرة باعتبارها دفاعاً عن النفس وسط فوضى الحرب، بحسب الكاتبة التركية بريهان ماغدن، التي واجهت دعاوى قضائية متعددة بسبب عملها.

وعلى نحو مماثل، ينفي التاريخ الرسمي للدولة، وبعض روايات المعرفة القومية التركية، في بعض الأحيان وجود إثنية كردية، ويتم وصفهم بدلاً من ذلك "بالأتراك الجبليين". تأتي كلمة "كردي"، كما توضح قراءة التاريخ هذه، من صوت الخطى على الثلوج الجبلية الكثيفة.

إن هذا الإنكار للهوية الكردية راسخ في الحياة العامة التركية لدرجة أن كلمة "كردستان" تعتبرها الدولة مؤشراً على الروابط مع الجماعات السياسية الكردية المحظورة، كما أظهرت قضية كانت منظورة في إحدى المحاكم في الآونة الأخيرة.

اعتماداً على الخلفية والسياق، يمكن أن تكون الكلمة إما مصطلحاً جغرافياً - يشير إلى المناطق المتجاورة التي تقطنها أغلبية كردية في إيران والعراق وسوريا وتركيا - أو هدفاً سياسياً، يشير إلى دولة مستقلة متصورة منذ أمد بعيد.

يبدو أن منطق أنقرة هو أن أي شخص يستخدم كلمة "كردستان" لا بد وأنه يدعم إقامة دولة كردية مستقلة - وهو الهدف الأولي لحزب العمال الكردستاني المحظور، الذي يخوض تمرداً في تركيا منذ 35 عاماً. في السنوات الأخيرة، تحول حزب العمال الكردستاني إلى المطالبة بالمساواة في الحقوق والحكم الذاتي للأكراد.

وفي مقاطعة باتمان في جنوب شرق البلاد، استخدم أحد المشتبه بهم الكلمة أثناء الإدلاء بشهادته. وقد أدى ذلك إلى مطالبة ممثل الادعاء بإضافة "انضمامه إلى منظمة إرهابية" إلى التهم الموجهة إليه وطالب بتطبيق أشد عقوبة ممكنة عليه.

وعندما اعترضت محامية الدفاع شيرين شين، قائلة إن "كردستان" تشير ببساطة إلى منطقة جغرافية، طالبت المحكمة بدفاع منها كذلك.

من ناحية أخرى، تستخدم شخصيات بارزة في حزب العدالة والتنمية هذه الكلمة عندما يناسبها ذلك، كما فعل مرشح الحزب في انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول هذا العام، رئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم، في محاولة لكسب أصوات الناخبين الأكراد. كانت هذه ضربة حظ لمحمد سانري، الذي كان قيد المحاكمة لاستخدامه الكلمة ذاتها. وقد أُسقطت التهم على أساس أن المسؤولين الحكوميين استخدموها.

وقال سانري "لو لم يقل السيد يلدريم كلمة (كردستان) لنلت العقاب، أو هكذا بدا لي".

البعض الآخر لم يكن محظوظاً بهذا الشكل. واجهت دار أفستا للنشر ومقرها إسطنبول عدداً كبيراً من الدعاوى القضائية لطباعة الكتب التي تتضمن كلمة "كردستان". وقال رئيس تحرير أفستا، عبد الله كيسكين، إن الخوف من اتخاذ إجراء قانوني مماثل أدى إلى رقابة ذاتية في أوساط المترجمين.

وعلى الرغم من أنه وفقاً للقانون التركي، فإن الناشر أو رئيس التحرير هو المسؤول القانوني، إلا أن المترجمين الأتراك يترددون في ترجمة الكلمة.

وقال كيسكين "البعض منهم يفعل ذلك بدافع الخوف، والبعض الآخر لأن لديهم نفس المعتقدات مثل الدولة. حتى أن هناك من ألفوا كتباً تحاول إثبات أن كردستان غير موجودة".

وأضاف "لكننا لا نقدم أي تنازلات. لذا، إذا استخدم أحد الأعمال منذ 100 عام كلمة (كردستان)، فإننا نلتزم الصدق بما يقول.. قد يكون هناك بعض الأشياء التي لا يحبها القراء. لقد اقتربنا منهم بنفس الطريقة، لأن إخفاء الحقيقة يعني خداع القراء".

نشرت دار أفستا للنشر نصوصاً عن الكردولوجيا، وقد وصف كيسكين بعضها بأنها تشمل الأجزاء التي يمكن أن تسبب مشاكل للمؤسسة. تُظهر معظم دور النشر الأخرى قدراً أقل من الاحترام للنص الأصلي، وتذكر كيسكين كتاب المفكر الإيراني علي شريعتي الذي حل فيه "الأتراك" محل "الأكراد".

وأوضح كيسكين قائلاً "أنت لا تغير كتاب شريعتي من خلال القيام بذلك - الحقيقة ستظهر عاجلاً أم آجلاً.. هذه ليست قضية حرية تعبير، إنها حقيقة تاريخية: الأكراد هم السكان المحليون في هذه المنطقة. لقد عاشوا هناك لقرون، والجميع من المسافرين الغربيين إلى (الكتاب الأتراك) أورهان كمال ويشار كمال أطلقوا عليها كردستان".

وقال إن الاسم استخدمه لأول مرة منذ 800 عام السلطان سنجر وهو من الأتراك السلاجقة، وبات موضوعاً للرقابة فحسب خلال بدايات تأسيس الجمهورية التركية في عشرينيات القرن العشرين.

وفي منتصف القرن التاسع عشر، أواخر سنوات الإمبراطورية العثمانية، لم يكن قد تم بعد حظر الإشارة إلى إقليم كردستان. أظهرت الوثائق العثمانية التي عُرضت في معرض حديث أن أحد القوارب السبعة وسبعين المملوكة لشركة عبارات في إسطنبول كان اسمه "كردستان".

أشار الكاتب حسين سيابيند إلى أن الكتب والأعمال الأكاديمية سعت إلى تهميش الأثر الثقافي للأكراد من خلال نسب الأعمال الفنية الجميلة والحرفية التي تم إنشاؤها في كردستان إلى عرقيات أخرى - الأعمال الفضية لليهود وأعمال البناء للأشوريين والهندسة المعمارية للأرمن والأعمال الكردية للأتراك.

وقال سيابيند "يجب علينا أن نتعايش مع رواية النظام، التي لا تزال مستمرة حتى اليوم، والتي تنحي مساهمات الأكراد جانباً في الإنسانية والإسلام ومعرفة الذات، والتي تهمل تاريخ الأكراد وتراثهم، وتسعى إلى حرمانهم من أي إرث تاريخي إلى جانب (الوحش النبيل)".

تهدف الرقابة إلى إنشاء نسخة جديدة ومحسنة من التاريخ، على حد قول سايابيند. نشرت الدولة دراسات تفصيلية عن بدايات الشعب التركي وقواعده والجغرافيا الخاصة به والأجناس البشرية، وبذلك صنعت نصوصاً مشوهة تصور عالماً بلا أكراد، وقد أصبحت أساساً للدولة.

وقال علي دوران توبوز، رئيس تحرير موقع دوفار الإخباري التركي المستقل، إن التعديلات المتعمدة تتبع نمطاً من سياسات "الإنكار والتدمير والاستيعاب" التي تم توجيهها ضد الأكراد في تركيا. ووصف التعديلات في تاريخ تركيا بأنها جزء من "المشاعر المناهضة للأكراد" في البلاد.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/kurdishness/kurdistan-and-art-self-censorship-turkey
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.