خوف أردوغان من القادم يدفعه لزيادة التجسس على المواطنين

أنقرة - يحاول الرئيس التركي بثّ الذعر في نفوس المواطنين باستعراض القوة، من خلال جولته التفقدية لمقرّ الاستخبارات التركية الجديد الذي يقع على أطراف العاصمة أنقرة، ويمتد على مساحة 5 آلاف دونم، والمحاط من جميع الاتجاهات بجدار ضخم يبلغ ارتفاعه 3 أمتار.

ويشير مراقبون إلى أنّ ذلك نابع من تخوف أردوغان من المرحلة القادمة، ما يستدعي منه المسارعة إلى زيادة التجسس على المواطنين الأتراك والأحزاب المعارضة، وإجهاض أيّة محاولات للتجمّع ضدّه أو الإطاحة به، والإيحاء أنّه صلب لا يمكن النيل منه بسهولة، وأنّه مستعدّ على المضي للنهاية في منع أي تحرّك يهدّده.  

ويبدو أن خشية أردوغان دفعته إلى تصدير الخوف إلى المواطنين الأتراك، وتوظيف الهالة المحيطة بجهاز الاستخبارات لخدمة مصلحته الشخصية، وتقديم إنجاز المبنى الضخم المجهّز بأحدث التقنيات، على أنّه عائد له، وبمعنى آخر في خدمته للتجسّس على الجميع، وإحصاء أنفاسهم عليهم، إذا اقتضت الضرورة.

ويظهر أردوغان قلقاً باحثاً عن سبل لتهدئة قلقه وغضبه من توجّه رفاق وقيادات في العدالة والتنمية إلى الانفضاض عنه وعن حزبه، وإنشاء أحزاب منافسة له، وبخاصة رئيس الوزراء الأسبق علي باباجان والرئيس السابق عبدالله غول، وكذلك رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو، وهؤلاء يشكلون تهديداً مباشراً عليه وعلى شعبيته، وهم الذين ساهموا بدور ما في تحقيق نجاحاته الاقتصادية التي يتباهى بها على مدار سنوات حكمه.

وتأتي زيارة أردوغان، أمس الأربعاء، إلى مبنى الاستخبارات التركية الجديد، من منطلق حرصه على إظهار سلطته، ووقوف جهاز المخابرات الممسك بزمام الأمور إلى جانبه، ومحاولاً إرهاب مَن يسعى إلى التشكيك بسلطته المطلقة.

ويوجّه أردوغان رسائل مباشرة إلى الداخل والخارج معاً، ومن رسائله أنّه الرئيس القوي الذي لا تنال منه أيّة هزّات أو نكسات يتعرّض لها، وأنّ نظامه الرئاسي الجديد يعتمد على القوة المفرطة، وجهاز الاستخبارات بكلّ إمكانياته وطاقاته يقف إلى جانبه ويدعمه لصدّ أيّ محاولة للتمرّد أو الانقلاب عليه.

هاكان فيدان
هل يقف هاكان فيدان إلى جانب أردوغان؟

ويحاول الرئيس التركي التأكيد على أنه لا يمكن للاستياء الشعبي المتنامي ضدّه وضدّ سياساته الاقتصادية، وكذلك التململ ضمن صفوف حزبه، ولاسيما بعد خسارته المدن الرئيسة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت في نهاية مارس الماضي، أن ينالا من هيبته وسلطته، وأنّه ينبغي الخوف من غضبه، والعمل على تجنّب إثارته كي لا يؤلّب جهاز المخابرات على مَن يريد، ما يوصف من قبل معارضيه بأن هذه سلوكيات تتوافق مع صورة لزعيم عصابة لا رئيس دولة.  

ويسعى كذلك إلى التذكير بأنّ جهاز الاستخبارات، ورئيسه هاكان فيدان الذي يتمتّع بنفوذ كبير في أجهزة الدولة، يقفان إلى جانبه، ولاسيّما بعد أن راجت إشاعات عن احتمال وقوف فيدان إلى جانب شخصيات سابقة وازنة في حزب العدالة والتنمية، تسعى إلى إنشاء أحزاب جديدة، ومنافسة أردوغان على الرئاسة، وانتزاع قاعدته الجماهيرية منه، مستغلين فشله، بحسب ما يعلنون، في إدارة البلاد سياسياً واقتصادياً.

ويعيد أردوغان كذلك إلى الأذهان الدور الذي لعبته المخابرات التركية في إفشال مخطّط محاولة الانقلاب التي شهدتها تركيا في منتصف يوليو 2016، والتي استغلها كذريعة لتطهير الدولة والجيش من المختلفين معه، أو ممن يشكّك بولائهم له، بتهمة الاشتباه بصلتهم بالانقلابيين.

وعلى الرغم من تشديد أردوغان على أن حزبه لا يرى السياسة كأداة لمعاندة الشعب أو استصغاره أو تحريضه بل يراها كأداة لتقديم أفضل الخدمات للبلد والشعب، إلى أنّه يمارس على أرض الواقع ما يزعم أنّه يعاديه، وذلك من باب التعمية والتغطية.

ويتحوّل رضا الشعب الذي يتغنى به أردوغان إلى أداة دعائية لا غير، وهو الذي يكرر أن "أي مصير تنتهي بنا السياسة التي لا يوجد الشعب بداخلها؟ إلى الفاشية، والديكتاتورية، والظلم، ولهذا السبب كنا دومًا نبحث عن رضا ودعم الشعب، وسنواصل طريقنا فيما بعد على نفس النهج"، وذلك من دون أن يولي الأمر الاعتبار الحقيقي الذي يعلنه.

وجدير بالذكر أنّ مقرّ الاستخبارات الجديد الذي يتم تجهيزه، بحسب ما نقلت تقارير إعلامية، بأحدث التقنيات والتكنولوجيا الحديثة، ويحظى بتدابير أمنية عالية المستوى، يوصف من قبل مناصري أردوغان من قلعة المخابرات، أو الحصن الحامي، وغير ذلك من التوصيفات التي تدل على القوة والعظمة، وذلك لبثّ مزيد من الرعب والخوف في نفوس المواطنين، سواء كانوا معارضين أو موالين، بحسب ما يلفت محللون.