خطة أردوغان لحقوق الإنسان: جعجعة بلا طحن

كشف الرئيس أردوغان، في 2 مارس، عن "خطة عمل حقوق الإنسان" التي طال انتظارها من حكومته. باختصار،  كانت صفحات عديدة ونصا طويلا، مع عناوين مثل "11 مبدأ، 9 غايات ، 50 هدفا و393 نشاطا"... ليست سوى عاصفة في فنجان. أولئك الذين كانوا صبورين بما يكفي للاستماع إلى أردوغان في مزاجه المعهود "بصوت عال وواثق" ، تُركوا في النهاية مع نفس علامات الاستفهام والشكوك والمخاوف التي كانت في نفوسهم.

كانت التوقعات عالية، لدى بعض الدوائر في الداخل والخارج، فقد ظن الكثيرون أن النظام أدرك خطورة الانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان وحالة القضاء المتردية أخيرا. فقد كان أردوغان وفريقه هم الذين أعلنوا منذ أسابيع أن إصلاحا هائلا يشمل نظام العدالة والاقتصاد  كان قيد الاعداد، لكن العرض أثار شكوكا جديدة حول الرغبة في التركيز على الاتحاد الأوروبي ومسرحية جديدة لكسب المزيد من الوقت مع مجلس أوروبا. وربما سيشارك فيها بعض الفاعلين السياسيين الأوروبيين المستهترين.

سيدخل الخبراء (إذا وجدوا أي سبب جوهري) بالتأكيد في تفاصيل "الخطة"، ولكن القراءة الدقيقة الكافية في غابة البديهيات (مثل "كل إنسان يولد حرا..." إلخ) تظهر مجرّد خطوات خجولة. ويتعهد النص بأن الحد الأقصى لاستكمال الاستجوابات لن يزيد عن 24 ساعة، مع وقف الاعتقالات في منتصف الليل، مع ترك الطلاب وموظفي الخدمة المدنية أحرارًا في أعيادهم الدينية، وتحديد تخفيضات ضريبية لمحامي الدفاع، وتسريع إجراءات المحاكمة. في أحسن الأحوال، تنطوي "الخطة" المزعومة على بعض التغييرات التجميلية لتغطية الانتهاكات.

بغض النظر عن التفاصيل، يبقى الحكم بشأن نص أردوغان واضحا وبسيطا: تبدو "خطة عمل حقوق الإنسان" التي وضعها معدة على أساس أنها تتجنب مواجهة أسباب الأزمة القضائية العميقة الأساسية التي تتحمل إدارته مسؤوليتها. وبدلا من ذلك، يبدو أنه يركز على تخفيف آثار سياساته القمعية القاسية وتسريع إجراءات النظام القضائي، الذي كان خاضعا لقصره لفترة طويلة، دون تغيير أي شيء أساسي بداخله.

كما قدم إشارات قوية بما يكفي بشأن تصميمه على التمييز ضد من يعتبرهم أعداء له، مثل الأكراد وأتباع غولن. حيث قال: "لن نسقي كل زهرة نراها. ففي حين يعني سقي زهرة رأسها منحني العدالة، بينما يعني سقي الشوكة القسوة"، مما يدل على أن انتهاكات حقوق الإنسان ستستمر.

كما أظهرت أحداث أخرى مفارقة الوضع بوضوح. ففي نفس الوقت تقريبا، انتشرت أخبار مفادها أن مكتب المدعي العام لمحكمة النقض قد فتح تحقيقا لحل حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد. وبعد فترة وجيزة، أعلن أحد نواب حزب العدالة والتنمية: "سنغلق هذا الحزب المسبب للانقسام". في نفس الصباح، توافدت إخطارات من الوكالات باعتقالات جماعية لأشخاص يُزعم أنهم ينتمون إلى حركة غولن. كما ساد توتر شديد في البرلمان. حيث أصبح عمر فاروق جَرْجَرلي أوغلو، وهو نائب عن حزب الشعوب الديمقراطي ومدافع قوي عن حقوق الإنسان، على وشك أن يفقد حصانته، فيما يعتبره الكثيرون تحريفا آخر للعدالة  ويواجه خطر السجن لمدة عامين ونصف. ويوشك أن يتعامل البرلمان مع قضايا "رفع الحصانات" عن 33 نائبا، منهم 28 من حزب الشعوب الديمقراطي.

وليس من المفاجئ أن "الخطة" لم تؤثر على أحد، باستثناء المعلّقين الموالين للحكومة. إذ تحتل تركيا مرتبة "غير حرة" في مؤشر فريدوم هاوس، واحتلت المرتبة 154 من بين 180 دولة في استطلاع مراسلون بلا حدود لحرية الإعلام في 2020. والأهم من ذلك، أن هناك ما لا يقل عن 50 ألف سجين سياسي في البلاد، بحسب هيومن رايتس ووتش. وتشير أحدث رسالة، وجهها أعضاء من الكونغرس الأميركي إلى وزير الخارجية أنتوني بلينكين،إلى أن 80 ألفا سجنوا منذ الانقلاب الفاشل في 2016.

وقالت مديرة فرع تركيا لدى منظمة هيومن رايتس ووتش، إيما سنكلير ويب: "هذا بلد يُسجن فيه عشرات الآلاف من الأشخاص بموجب قوانين الإرهاب، ولم يكن يجب سجنهم أو مقاضاتهم". وقالت لرويترز إنه إلى أن يتم الإفراج عن هؤلاء السجناء وإسقاط التّهم "الزائفة" بشأن الرأي المخالف، "لن تكون أي خطة عمل لحقوق الإنسان أكثر من الورقة المكتوبة عليها. فلن تكون المحاكم أكثر استقلالية مجرد القول بأنها سنصبح كذلك".

يعاني أردوغان بشدة من "أزمة ثقة" مع نظرائه عبر العالم الديمقراطي. في ظل هذه الظروف، إذا كان مخلصا وجادا في "خطته"، لكان من المتوقع أن تكون هناك خطوة ملموسة لإضفاء معنى عليها. حيث أمكن لوزارة العدل التركية، بالتزامن مع "الخطة" (أو كان ينبغي لها) أن تعلن وقفا فوريا لإجراءات مثل وقف الاعتقالات التعسفية، والإفراج عن المعارضين في الاحتجاز السابق للمحاكمة، وإعلان أن أنقرة ستلتزم بأحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بخصوص قضايا عثمان كافالا وصلاح الدين دميرطاش وإطلاق سراحهما مع الكاتب أحمد ألتان البالغ من العمر 71 عاما. ولم تُتخذ أي مبادرة، مما أدى إلى تفاقم عدم الثقة.

الآن، من المحتمل أن نسمع الكثير من ردود الفعل من نوع "الأفعال وليس الأقوال" من حلفاء تركيا ودوائر الاتحاد الأوروبي. ولكن هناك شكا آخر، غالبا ما يكون مغطًى بالصمت. هل يعدّ إعلان "الخطة" جزءا من التلفيق مع بعض دوائر الاتحاد الأوروبي ومجلس أوروبا؟ هناك أدلة وإشارات قوية على ذلك. فقبل حوالي أسبوع من الإعلان عن الخطة، تحدث أردوغان مطولا مع أنجيلا ميركل، التي يبدو أنه يعتبرها "المنقذ" من العاصفة القادمة مع إدارة بايدن بعد رحيل صديقه الحميم دونالد ترامب.

ليس هناك شك في أن برلين طالبت "بضرورة عمل شيء ما، على الأقل على الورق". فخلال قراءته للخطة، لم يخف أردوغان أن بعض "التغييرات" وُضعت للتفاوض على السفر دون تأشيرة للمواطنين الأتراك إلى أوروبا. كما قال وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو إن الكثير في "الخطة" كان بالتشاور مع دوائر الاتحاد الأوروبي.

ماذا يعني كل هذا؟ بادئ ذي بدء، يبقى كل الحديث عن "السفر دون تأشيرة" كلاما فارغا، وهراء. ويعرف كلا الجانبين أن هذا غير ممكن. ووفقا لشركة ميتروبول للأبحاث، ومقرها أنقرة، فقد ارتفع عدد الراغبين في الهجرة من تركيا (اعتبارا من فبراير) إلى 47.3 في المئة. يمثل الشباب، الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 30 عاما، والذين يرغبون في مغادرة تركيا شريحة عالية قياسية نسبتها 62.5 في المئة وفقا لمؤسسة "سوديف" التركية الاجتماعية. وأظهرت دراسة أجرتها جامعة "يدي تبه" في الخريف الماضي أن هذا المعدل يصل إلى 76.4 في المئة. وبهذا، فإن الاتحاد الأوروبي يدرك تماما عواقب "السفر دون تأشيرة"، وسيبقى هذا الأمل بالتالي مجرد أداة لجذب الناخبين إلى آمال زائفة.

لكن الجزء الثاني يبقى أكثر إثارة للقلق. إذا كان هناك أي تنسيق بين أردوغان و"أصدقائه" في برلين وستراسبورغ ومدريد، فإن ما قد نراه قريبا سيكون على النحو التالي: بينما يستعد مجلس أوروبا والاتحاد الأوروبي لاجتماعاتهما الكبرى هذا الشهر، مع تركيا كجزء من جدول الأعمال، يقول البعض: "انظروا، هناك تطورات إيجابية في تركيا"!

هناك بالفعل لوبيات "الأجندات الإيجابية" في تركيا وأوروبا (يبدو الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، جوزيب بوريل، جزءا طوعيا منها) يتظاهرون بأن جل الأمور طبيعية في تركيا، وأن انتهاكات حقوق الإنسان ليست منتشرة ومجرّد استثناءات. على المستوى المؤسسي، داخل مجلس أوروبا ومفوضية الاتحاد الأوروبي، من ناحية أخرى، تبقى ضرورة رؤية بعض الإجراءات لتحدد لو كانت هذه "الخطة" جادة بالفعل بما فيه الكفاية، ولترسل بعض "الخبراء" لدراستها لأيام وأسابيع.

كل هذا متوقع ولا ينبغي أن يكون مفاجأة، مع "لعبة تركيا" الساخرة على خشبة المسرح، حيث سنشهد مزيدا من المضايقات لحزب الشعوب الديمقراطي، وربما قضية حلّ، والمعارضين المحكوم عليهم بالبقاء في السجون، مع استمرار الاعتقالات المصحوبة بالتعذيب في كثير من الأحيان. هذا هو الوعد الحقيقي لـ"خطة عمل حقوق الإنسان" التي قدّمها أردوغان، إنها خطوة خبيثة لكسب الوقت والمضي قدما.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-rule-law/erdogans-human-rights-action-plan-much-ado-about-nothing