هل تشكّل تركيا تهديداً لأمن أوروبا ورفاهيتها

أنقرة – هل تشكّل تركيا تهديداً لأمن جيرانها الأوروبيين ورفاهيتهم؟ إلى أيّ حدّ يمكن للأوروبيين أن يثقوا بتركيا التي تقوم بتهديدهم بين الوقت والآخر بأساليب مختلفة؟

تشهر تركيا بين وقت وآخر أوراق ضغط لابتزاز الأوروبيين وتهديدهم، واستغلال مخاوفهم، الأمنية والسياسية، من أجل تحصيل مكتسبات منهم، سواء كانت تلك المكتسبات في صورة مساعدات مالية وإعانات لدعم اللاجئين، أو عبر تحصيل الدعم السياسي لها في الأزمات التي ورّطت نفسها بها في المنطقة، سواء في ليبيا أو سوريا.

وكان مشهد إرسال تركيا لعشرات الألوف من اللاجئين وتحشيدهم على حدود كل من اليونان وبلغاريا مثيراً للهلع بالنسبة للأوروبيين، وأعاد إلى أذهانهم مشاهد من أزمة اللاجئين سنة 2015، والتي تسببت بخلافات داخلية في عدد من الدول الأوروبية، كما أنّه أثار أسئلة عن إمكانية تسلّل عشرات الإرهابيين والمتشددين ضمن حشود اللاجئين، ما يمكن أن يشكل تهديداً أمنياً خطيراً على أوروبا والرفاهية التي تحاول تأمينها لشعوبها.

كما أنّ استمرار حكومة أردوغان في سياسة المكائد والإغاظة التي تبدو بعيدة عن التحلّي بروح المسؤولية، ومنطق التحالف والشراكة، عبر استغلال الموقع الجيوسياسي الذي تتمتّع به، يساهم بتنفير الحكومات الأوروبية منها، والنظر إليها كمبتزّ ومستغلّ لا كشريك وحليف، وذلك بحسب ما يؤكّد محللون.

كرّر أردوغان أكثر من مرّة بأنّ بلاده ستفتح الأبواب والحدود أمام اللاجئين الراغبين بالوصول إلى أوروبا، وأنّ بلاده لا تستطيع تحمل الضغط الكبير عليها، وحصّل بعض المكتسبات المرحلية عبر سياسة التهديد والابتزاز تلك، سواء عبر غض النظر عن التجاوزات في الملف الليبي، أو في معركة إدلب والحرب على المتشددين فيها.  

وتعمل تركيا على الضدّ من مصالح شركائها الأوروبيين في المتوسط، وتمارس ما يوصف بأنه نوع من القرصنة، عبر استمرار تهريب السلاح والمرتزقة إلى ليبيا لدعم الميليشيات المتشددة التابعة لحكومة الوفاق فيها، وذلك في الوقت الذي تعارض قرارات الاتحاد الأوروبي بإنشاء قوة بحرية، باسم عملية إيريني، في المتوسط.

وأعلن الاتحاد الأوروبي مؤخرا تشكيل مهمة جديدة يكون نطاق عملها البحر المتوسط لمراقبة الحظر الفاشل لتوريد الأسلحة إلى ليبيا، إلا أنه لم يتم بعد الإعلان عن التفاصيل المهمة، ومن بينها مساهمات القوات. وتم إرجاء إطلاق عملية إيريني بسبب جائحة كورونا.

كما تسعى أنقرة إلى إبراز نفسها أنها الصديق الحقيقيّ للأوروبيين في أوقات الشدّة، وذلك عبر دبلوماسية الأقنعة التي تمارسها في أزمة كورونا، وإرسالها مساعدات طبية لعدة دول أوروبية لمواجهة كورونا، لإظهار تفوقها وتكاتفها، في وقت تحتاج فيه هي نفسها للمساعدات أكثر من غيرها، باعتبارها من أكثر الدول التي اكتشفت فيها إصابات بفيروس كورونا.

لودريان يوجّه انتقادات لاذعة لتركيا
لودريان يوجّه انتقادات لاذعة لتركيا

هذا بالإضافة إلى إتمام أنقرة صفقة شراء منظومة الصواريخ الروسية إس 400 التي تسبّبت بشروخ في علاقتها مع شركائها في حلف الناتو، والذين أكّدوا على أنّ الصواريخ الروسية تتعارض مع أنظمة الحلف الدفاعية، وتتعارض مع استراتيجيات الحلف نفسه.

وفي بداية أبريل الجاري، قدمت اليونان مقترحا إلى كل من ألمانيا وفرنسا، يقضي بتوقيع اتفاق جديد للهجرة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا. وبعث رئيس الوزراء اليوناني كرياكوس ميكوتاكيس، رسالة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، يطالب فيها الاتحاد الأوروبي بتوقيع اتفاق جديد للهجرة مع تركيا. ولفت أن الدعم المالي لتركيا يجب أن يتناسب مع حجم زيادة ونقصان تدفق طالبي اللجوء إلى أوروبا.

وفي سياق متصل أدلى جان إيف لودريان وزير الخارجية الفرنسي بتصريحات لصحيفة لوموند الفرنسية، انتقد فيها سياسة أنقرة وأسلوبها في التعاطي مع أوروبا، وانتقد كذلك السياسة الخارجية لتركيا، بما في ذلك قرار أنقرة بشراء منظومة صواريخ إس400 الروسية الدفاعية، الأمر الذي أثار غضب شركائها في حلف الناتو، وكذلك ممارساتها في كلّ من سوريا، ليبيا، بالإضافة إلى افتعالها أزمة اللاجئين.

وقالت وكالة أنباء الأناضول إن أنقرة ردت بغضب على تصريحات وزير الخارجية الفرنسي التي أشارت إلى أن تركيا تشكل تهديدا لرفاهية أوروبا وأمنها.

ورداً على تصريحات لودريان، التي اعتبرتها أنقرة تهجّماً عليها، وتوجيهاً لاذعاً للانتقادات لها في ملفات ليبيا وشرق المتوسط وأزمة طالبي اللجوء ودورها في حلف شمال الأطلسي، قال المتحدث باسم الخارجية التركية، حامي أقصوي، إن فرنسا أحجمت عن مساعدة جيرانها الأوروبيين في أحلك الأوقات وتبدو منزعجة من مسارعة تركيا لمد يد العون لهم.

ولفت أقصوي إلى أن لودريان إنما "سعى للتغطية على الوضع البائس الذي تعاني منه فرنسا جراء أزمة فيروس كورونا، من خلال التهجم على تركيا عبر تصريحاته التي أدلى بها لصحيفة لوموند". وأشار أقصوي إلى قيام فرنسا بدعم تنظيمات إرهابية في سوريا، وتحريض القوات المناهضة للسلطة الشرعية في ليبيا.

كما لفت إلى سعي فرنسا لتقويض أسس الحل في جزيرة قبرص، وإصرارها على تجاهل حقوق القبارصة الأتراك، ومحاولتها استصدار عقوبات على حليفتها تركيا في الناتو. وقال أقصوي إن "فرنسا تؤمن بأن الحل الوحيد للأزمة في ليبيا، يمر عبر الوسائل العسكرية".

وأضاف: "ننصح فرنسا بأن تركز اهتمامها على الحفاظ على صحة مواطنيها بالدرجة الأولى والأوروبيين عموما، وتضميد جراحهم، في مواجهة جائحة كورونا".

تلعب سياسات تركيا العدائية دوراً في زيادة مخاوف الأوروبيين منها، واعتبارها دولة مارقة لا تلتزم بتعهّداتها، ولا تفي بالتزاماتها الدولية، ما يهدد أمنها، ويشكل خطورة كبيرة على مصالحها الاستراتيجية وحدودها التي تستبيحها أنقرة بأشكال مختلفة، بحسب ما يؤكد محللون.