هل تركيا حليف وندٌّ لروسيا أم أداة للاستخدام بيدها؟

إسطنبول - ما طبيعة العلاقات التركية الروسية؟ هل هي علاقة أنداد وحلفاء أم هي علاقة تبعية؟ إلى أيّ حدّ نجح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في استغلال روسيا التي قام بتعزيز علاقاته معها للضغط على الأوروبيين والأميركيين؟ هل تمكّن من إقناعها بندّيته في العلاقة معها أم أنّه اكتفى بدور التابع لها؟

عمل أردوغان على التقرّب من روسيا، واستثمار ذلك في الضغط على حلفائه في حلف شمال الأطلسي، بأسلوب الابتزاز الذي بات يُعرَف به، في محاولة لدفعهم إلى تلبية مطالبه، سواء تلك المتعلقة بالملفّ السوريّ، أو بملفّ التسلّح وبخاصة صفقة شراء منظومة إس-400 الصاروخية الروسية، فضلاً عن ملف التنقيب عن الغاز والنفط في المتوسط..

بدأ التنسيق التركي الروسيّ بشكل فعليّ على الأرض السورية بعد الاتفاق على انطلاق مسار أستانة، ومن بعده لقاءات سوتشي، التي مهّدت لاستفراد روسيا بالملفّ السوريّ، وتمكّنها من تجميع المعارضين المسلّحين للنظام السوري في منطقة إدلب، التي كانت ضمن مناطق خفض التصعيد التي تمّ الاتفاق عليها بين كلّ من تركيا وروسيا وإيران وبضمانتهم.

وشنّت روسيا بالتعاون مع القوات السورية هجوماً على إدلب التي ظلّت آخر معقل للمعارضة المسلحة السورية، وذلك لإعادتها إلى سيطرة الحكومة السورية وطرد المسلحين المعارضين الذين تدعمهم تركيا منها، وفرض أمر واقع على الأرض السورية، تكون وحدها المتحكّمة ولها الكلمة الفصل فيه.

وبالموازاة مع ذلك، تدّعي أنقرة أنّها غدت قوة تستطيع تنفيذ عمليات عسكرية ضد ما تصفه بالإرهاب خارج حدودها، وتضع شروطها أمام الولايات المتحدة دون تردد. وتزعم أنّها تجلس في الوقت الحالي على طاولة المفاوضات مع روسيا وإيران، لمناقشة أوضاع المنطقة، وأنّها لا تسمح لأي جهة بأن تبتزها اقتصاديا.

وحين أسقطت تركيا طائرة روسية قالت إنّها انتهكت أجواءها سنة 2015، ساءت العلاقات بينها وبين روسيا كثيراً، واضطرّ أردوغان إلى الاعتذار بشكل رسمي عن الأمر، وبدأ مسار التبعية لبوتين وسياساته في المنطقة، وأصبح أداة فعلية بيده، يستعملها حين الحاجة لترويع الأوروبيين والأميركيين، لتحقيق مكتسبات ميدانية على الساحة السورية، بحسب ما يلفت مراقبون.

وفي مايو 2017، أعلنت تركيا وروسيا وإيران توصلها إلى اتفاق “منطقة خفض التصعيد” بإدلب، في إطار اجتماعات أستانة المتعلقة بالشأن السوري. إلا أن قوات النظام وداعميه تواصل شن هجماتها على المنطقة رغم التفاهم المبرم بين تركيا وروسيا في 17 سبتمبر 2018، بمدينة سوتشي الروسية، على تثبيت “خفض التصعيد”.

وتتعرض بلدات وقرى للقصف من المقاتلات الروسية والمدفعية السورية منذ تجدد هجوم القوات الحكومية الشهر الماضي، بالرغم من اتفاق توصل إليه زعماء تركيا وروسيا وإيران في سبتمبر الماضي لتخفيف حدة التوتر. وتنفي موسكو ودمشق اتهامات بقصف مناطق مدنية بشكل عشوائي وتقولان إنهما تحاربان متشددين إسلاميين يستلهمون فكر تنظيم القاعدة. لكن تقدمهما يزيد الضغط على تركيا التي لها 12 موقعا عسكريا في المنطقة.

حقق بوتين تقدما وسط النزاعات داخل الناتو
حقق بوتين تقدما وسط النزاعات داخل الناتو

وقال أردوغان إن زهاء 250 ألف شخص يفرون حاليا من منطقة إدلب في شمال غرب سوريا باتجاه تركيا، بسبب قصف القوات الروسية والسورية المستمر منذ أسابيع.

حقق بوتين تقدما أيضا وسط الخلافات والنزاعات داخل حلف الناتو، حيث دعم العلاقات الروسية مع تركيا، وعمل على استخدام أردوغان لتفتيت الناتو، واستغل سعيه المحموم للحصول على صفقة صواريخ إس-400، بالإضافة إلى زيادة الشقاق بينه وبين الولايات المتحدة، حيث تسود بينهما خلافات على عدد من الملفات الشائكة العالقة بينهما.

وعقدت تركيا وروسيا عام 2010، أول اتفاقية بينهما حول محطة “آق قويو”، التي ستكون أول محطة نووية في تركيا. ومن المرتقب أن يتم إنشاء 4 مفاعلات في المحطة بطاقة إنتاجية تقدر بـ4 آلاف و800 ميغاوات، من المخطط أن يتم تشغيل أولها في 2023 على أبعد تقدير.

ودعمت مشروع “السيل التركي” لنقل الغاز الروسي إلى تركيا ومنها إلى أوروبا. و”السيل التركي”، هو مشروع لمد أنبوبين لنقل 15.75 مليار متر مكعب من الغاز سنويا، من روسيا إلى تركيا مرورا بالبحر الأسود. ومن المقرر أن يغذي الأنبوب الأول من المشروع تركيا، والثاني دول شرقي وجنوبي أوروبا.

وتصاعد الخلاف بين تركيا والولايات المتحدة الشريكين في حلف شمال الأطلسي بسبب شراء أنقرة منظومة إس-400 للدفاع الصاروخي التي تقول واشنطن إنها غير متوافقة مع أنظمة الحلف الدفاعية وتشكل تهديدا لطائراتها المقاتلة إف-35.

وتلقت تركيا الدفعة الأولى من منظومة صواريخ إس-400 في يوليو على الرغم من معارضة الولايات المتحدة وتهديدها بفرض عقوبات على أنقرة. وردت الولايات المتحدة بإزالة اسم تركيا من برنامج طائرات إف-35، الذي كانت تركيا مشاركة فيه. وتقول واشنطن إنها لا تزال تجري محادثات مع أنقرة “للانصراف” عن الأنظمة الروسية.

ورغم تهديد الولايات المتحدة بفرض عقوبات بسبب تحرك أنقرة لشراء المنظومة الروسية، فقد لمحت تركيا إلى أنها قد تشتري مقاتلات روسية إذا رفضت الولايات المتحدة تسليم طائرات إف-35 التي اشترتها.

والآن يرسل أردوغان قواته إلى ليبيا، ويشير إلى رغبته في التوصل إلى اتفاق مع روسيا بشأن ليبيا عند لقائه مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال الأسبوع الحالي، كما حدث بينهما بشأن سوريا. ومثل هذا السيناريو، إذا تمّ، يمنح تركيا السيطرة على اثنين من أهم معابر الهجرة غير الشرعية إلى الاتحاد الأوروبي.

وأعرب مجلس الدوما الروسي عن قلقه من إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا. وقال رئيس لجنة الشؤون الدولية بالمجلس ليونيد سلوتسكي، إن إرسال تركيا قوات عسكرية إلى ليبيا، “قد يعمّق أزمة الأخيرة أكثر”. مشددا أن روسيا تؤكد ضرورة حل أزمة ليبيا عبر الطرق السياسية والدبلوماسية.

 يرى محللون أنه مع التدخل التركي والروسي في ليبيا فان هذا البلد يتجه الى سيناريو يشبه النزاع السوري مع مخاطر تفاقم الفوضى ميدانيا وتراجع الأوروبيين الى الصف الثاني في جهود تسوية النزاع.