هل أضاع حزب أردوغان فرصته الأخيرة للخروج من الأزمة

أنقرة - ما هي تداعيات استقالة البيرق على سياسات حزب العدالة والتنمية الحاكم؟ وكيف يؤثّر ذلك على شعبيّة الحزب ومزاج ناخبيه؟ هل يمكن لرحيل البيرق والتعافي المحتمل للاقتصاد عكس تدهور الليرة؟ وهل أضاع حزب العدالة والتنمية الفرصة الأخيرة لخروج من الأزمة؟

وفقًا لشركات استطلاع الرأي، فإنّ هناك انخفاضاً كبيراً في أصوات حزب العدالة والتنمية. لكن يبقى السؤال: إلى أيّ حدّ يمكن أن يؤثّر ذلك على شعبيّة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وتحالفه الحاكم في الانتخابات المقبلة؟

أثارت استقالة بيرات البيرق؛ صهر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، من وزارة الخزانة والمالية قبل أيام، جدلاً في أوساط حزب العدالة والتنمية الحاكم المتحالف مع حزب الحركة القومية اليميني المتشدّد، وما إذا كانت ستعكس التراجع في أصوات التحالف الحاكم، أو ستكون فعالة في حل المشكلات الاقتصادية. 

يلفت مراقبون إلى أنّ حزب العدالة والتنمية يحتاج إلى القيام بخطوات أكثر في مجالات متعدّدة من الاقتصاد، والقضاء، والحريات، من أجل التغلب على الأزمة البنيوية التي يعاني منها.

وبهذا الصدد أطلق أردوغان أمس وعوداً جديدة كعادته، وقال بأن حكومته أطلقت عهد إصلاحات اقتصادية جديدة. وأوضح أنه تم إطلاق مرحلة جديدة ترمي إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي وزيادة النمو والتوظيف. وقال: "بدأنا عهد إصلاحات جديدة على صعيدي الاقتصاد والقوانين".

وكرّر الرئيس التركي بأنّ أهداف حكومته هي بناء سياساتها الاقتصادية على ثلاث ركائز هي: استقرار الأسعار والاستقرار المالي واستقرار الاقتصاد الكلي." وقال: "شهدنا حركة إيجابية ظاهرة للعيان في الأسواق، مع الإعلان عن ركائز المرحلة الاقتصادية الجديدة". وأكد أن أولوية الحكومة خفض التضخم بأسرع وقت إلى رقم من خانة واحدة، ثم إلى المستويات المحددة في برنامجها على المدى المتوسط.

وعاد عدد من الشخصيات السابقة في حزب العدالة والتنمية إلى الواجهة في الأيّام الأخيرة، فبالإضافة إلى ناجي إقبال، فإن الوزراء السابقين لطفي علوان وجودت يلماز ووزير الداخلية السابق إيفكان علاء، هم من بين أولئك الذين ظهروا في نطاق التغيير الجذري الذي حدث في نهاية الأسبوع.

وبحسب مصادر مقربة من حزب العدالة والتنمية، بعد رحيل البيرق، يفترض أن تستمرّ عودة الحزب لبعض الأسماء السابقة. وفي هذا السياق، من المتوقع أن يكون لبولنت أرينج، وكذلك بن علي يلدريم، حضور أكبر.

وكان أرينج، عضو المجلس الاستشاري الأعلى لرئاسة الجمهورية، أعلن في بيان قبيل عملية الاستقالة، عن وجود مشاكل في الاقتصاد وأن البيرق اعترض على بعض مقترحات الحلّ لهذه المشكلة.

ووفقًا لمحمد علي كولات، صاحب شركة ماك للأبحاث، فإن أردوغان سيحاول قدر الإمكان إعادة الأسماء ذات الخبرة.

وبحسب تقرير إعلامي فإن كولات يعبّر عن معنى استقالة البيرق بالكلمات التالية "لو تغير كل الوزراء في الحكومة وبقي بيرات البيرق لما اعتبر ذلك تغييرا وزاريا. لكن استقالة البيرق تغيير حكومي جادّ لأن الدور المنوط بالبيرق كان في الواقع دور رئيس الوزراء".

بينما يشار إلى أن البيرق له تأثير ليس فقط في الاقتصاد ولكن أيضًا في العديد من المجالات مثل القضاء والإعلام، وذلك بفضل موقعه الفعال وقربه الأسري من أردوغان، وبعد غيابه عن الواجهة من المتوقع أن يتصرف بعض الوزراء براحة أكبر.

ويعلق مدير البحوث بمعهد أنقرة، عثمان سرت، على عودة الأسماء ذات الخبرة بعبارة "من يذهب هنا أهم ممّن يأتي". ويعتبر سرت رحيل البيرق "فصل تفاهم" ويقول: "لم يكن البيرق وزيرا للخزانة والمالية فقط، ولم يكن مجرد وزير. كان له راي في كل مجال تقريبا باستثناء الدفاع وبعض المجالات. لذا فإن تركه لمنصبه أهم بكثير ممّن جاء بعده".

ويضيف سرت إن الأمر يستغرق وقتًا لفهم ما إذا كان رحيل البيرق يعني أنه سيفقد تأثيره تمامًا في كل هذه المجالات. ولاسيما أنّ من المعروف في الكواليس السياسية في أنقرة أن البيرق جلب أسماء مقرّبة منه إلى المناصب العليا في كل وزارة تقريبًا.

وهناك تعليقات تفيد بأن قيام أردوغان بإحضار الأسماء ذات الخبرة إلى الواجهة مرة أخرى قد يوقف جزئيًا الانكماش في الاقتصاد، لكن يُذكر أنه ستكون هناك حاجة إلى المزيد لعكس التراجع في التصويت.

ووفقًا لاستطلاعات الرأي الأخيرة لـماك، يبلغ معدل تصويت حزب العدالة والتنمية حوالي 35 بالمائة في الوقت الحالي، وذلك من دون حساب أصوات الناخبين المترددين. ويقول كولات إن هذا المعدل انخفض إلى 30 بالمائة لفترة، لكنه ارتفع فيما بعد بسبب الصراعات في أذربيجان والخطابات القومية مثل "الوطن الأزرق". ويضيف إن أصوات حزب الحركة القومية قد انخفضت أيضًا، لكن بعض هذه الأصوات ذهب إلى حزب العدالة والتنمية الشريك في التحالف الحاكم.

وصرح مراد ساري، رئيس أبحاث الإجماع، أن التراجع في تحالف الشعب لا يظهر كثيرًا عندما يتم تضمين المترددين في استطلاعات الرأي، لكن 50 + 1 يمثل حدًا مفصلياً. وأكّد أنّ هناك تراجعاً في الأصوات، وأنّ اعتماد حزب العدالة والتنمية على حزب الحركة القومية زاد أكثر قليلاً.

وبحسب تقارير إعلامية فإنّ غالبية الأتراك يعبّرون عن استيائهم الشديد من تردي الأوضاع الاقتصادية، ويشكّكون بقدرة الحكومة على إيقاف انهيار الليرة، كما يشكّكون بوعودها التي تطلقها لإنقاذ الاقتصاد من أزماته.

ويكون السؤال المهمّ: كيف يمكن للتحسن المحتمل في الظروف الاقتصادية مع رحيل البيرق أن يؤثر على معدل تصويت حزب العدالة والتنمية؟ وبحسب عثمان سرت، فإن السؤال الأهم هنا هو: هل أضاع العدالة والتنمية الفرصة الأخيرة لخروج من الأزمة؟

يقول سيرت، الذي عمل مستشارًا لداود أوغلو لسنوات عديدة، إن حزب العدالة والتنمية فاتته الفرصة الأخيرة قبل الوقوع في الهوّة، بسبب الصدمة الشديدة في الاقتصاد.

وبالحديث عمّا إذا كانت الخطوات التي سيتخذها أردوغان والإدارة الاقتصادية الجديدة من الآن فصاعدًا ستكون كافية لتغيير هذا الاتجاه، يقول سيرت "إذا كانت الصورة في الاقتصاد سيئة كما تبدو، فإنّ التغيير غير ممكن مع تبديل عدد قليل من الناس".

ويشير محللون أتراك إلى أن أردوغان سياسيّ نجا من أزمات لا حصر لها حتى الآن. ما يؤشّر على أنّه يمكن أن يلجأ إلى ألاعيب سياسيّة للالتفاف على خصومه ومنافسيه في الانتخابات المقبلة، في حال لم تتدارك المعارضة الخلل لديها، أو لم تتمكّن من مواجهته بأساليب أشدّ فعالية.