غابت الدولة التركية فظهرت المافيات

يزداد الشعور بالثقة لدى الشخصيات المرتبطة بالمافيا التركية كما يظهر في تصريحاتها العلنية.

ويوم الأحد، نشرت قناة "يول تي في" التركية مقطع فيديو تم تسجيله عبر تطبيق"تيك توك" لزعيم المافيا، علاء الدين تشاكيجي، وهو يستمتع بتناول وجبة في الهواء الطلق محاطاً بحاشيته. وبعد الانتهاء من وجبته، خرج تشاكيجي محاطًا بقافلة من السيارات السوداء.

عرض المافيا هذا اعتدنا عليه كثيراً، لكن التبجح بها يجسد الثقة التي شعرت بها شخصيات المافيا اليوم في تركيا. يتمتع تشاكيجي، أحد رجال العصابات من مدينة طرابزون في شمال غرب تركيا، بمستوى عالٍ من الدعم من الطبقة السياسية بسبب عمله كمقاتل حكومي مأجور في الثمانينيات. تم القبض عليه لأمره بتنفيذ العديد من عمليات القتل، وأُطلق سراحه العام الماضي كجزء من مشروع قانون العفو المثير للجدل عن السجناء الذي وقعه الرئيس رجب طيب أردوغان.

ظل تشاكيجي هادئًا بعد أن خمدت الضجة الأولية حتى أصدر تهديدًا بالقتل ضد زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض، كمال كيليجدار أوغلو.

اقترح الدكتور يكتان تركي ألمظ، زميل باحث في منتدى الدراسات عبر الإقليمية في برلين بألمانيا، أن المافيا في تركيا تشهد نموًا يسبق إطلاق سراح تشاكيجي وتعود إلى أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016.

وقال تركي ألمظ، الذي وصف هذا الصعود بأنه "غير مسبوق" في تركيا "في بيئة ما بعد الانقلاب، بدأت شخصيات المافيا هذه تصبح شخصيات مؤثرة في السياسة".

وقبل الانقلاب الفاشل، كانت المافيا هدفًا لغارات وتحقيقات إنفاذ القانون، لكنهم استجمعوا قواهم واتحدوا عندما بدأت الدولة التركية في ملاحقة مجموعة جديدة من الأعداء الداخليين. وهذا ليس اتجاه جديد في التاريخ التركي. وبحسب ما ورد تم توظيف تشاكيجي نفسه من قبل منظمة المخابرات الوطنية لقتل أعضاء حزب العمال الكردستاني والجيش السري الأرمني لتحرير أرمينيا. تم دفع العلاقة بين الحكومة والمافيا إلى دائرة الضوء بعد فضيحة سوسورلوك في عام 1997.

كما أن تحالف أردوغان مع حزب الحركة القومية المتطرف يلعب أيضًا دورًا في الشعور بتمكين تشاكيجي وعناصر المافيا القوية الأخرى. حيث يعد زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهجلي، حليفاً معروفاً لتشاكيجي الذي ضغط بشدة من أجل إطلاق سراح الأخير ويعتبره بطلاً لخدمته في منظمة المخابرات الوطنية.

تم نشر آراء تشاكيجي القومية للجمهور من قبل. وبعد فوز تحالف الشعب في انتخابات 2018، انتقد تشاكيجي أردوغان لعدم إسهامه في فوز حزب الحركة القومية أو بهجلي.

وكتب تشاكيجي في منشور على فيسبوك عقب خطاب فوز أردوغان في تلك الليلة "أنت لست صاحب هذه الدولة! هل تحب تركيا بقدر ما يحبها بهجلي؟". ثم حذر تشاكيجي من أن أردوغان" فقط إنسان عابر، لكن شعب أولكوشو والقوميين الأتراك هم مضيفو الأمة".

إنه ليس القومي المتطرف الوحيد من الجريمة المنظمة الذي أصبح له صدى سياسي. حيث دعا سيدات بيكر، وهو رجل عصابات معروف آخر، الأتراك إلى دعم أردوغان وهاجم حزب الحركة القومية في الماضي بسبب تصريحاته الانتقادية ضد أردوغان. اشتهر بيكر بآرائه القومية التركية، وقد أصدر عددًا من التصريحات حول ما يعتقد أنه يجب أن يكون الاتجاه الصحيح للبلاد.

وفي أكتوبر الماضي، ظهرت صورة علاء الدين تشاكيجي مع رئيس الشرطة السابق والسياسي والوزير، محمد آغار، والعقيد المتقاعد، كوركوت إيكين، والفريق المتقاعد، إنجين آلان، في واحدة من أشهر المدن السياحية في تركيا، بودروم.

كانت الشخصيات الأربعة التي اتُهمت بارتكاب بعض أبشع الجرائم في التسعينيات واثقة بما يكفي لتكون صورتها مأخوذة من أمام ميناء خاص مالكه، مبارز مانسيموف، والذي سُجن مؤخرًا بسبب مزاعم بأنه عضو في حركة غولن، التي تلقي حكومة أردوغان باللوم عليها في محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016.

ومن المعروف أيضًا أن محمد آغار حليف وثيق لوزير الداخلية الحالي سليمان صويلو. يعتبر صويلو، بعد رحيل صهر أردوغان ووزير المالية السابق بيرات البيرق، ثاني أقوى وزير في الحكومة التركية لديه تطلعات ليصبح زعيماً لتركيا في المستقبل.

أوضح تركي ألمظ أنه في التفاعلات بين المافيا والدولة عادة ما يكون هناك اختلال في ميزان القوة لصالح السلطات. وفي حالة تركيا، تشعر المافيا الآن بأنها أصبحت قوة سياسية بحد ذاتها.

وقال تركي ألمظ لموقع (أحوال تركية) "هذه العلاقة تتغير بمعنى أن المافيا بدأت تقدم نفسها كقوة سياسية. لديهم أفكار حول الكيفية التي يجب أن تعمل بها الدولة، وكيف يجب أن تكون الحنكة السياسية جيدة، والشكل المناسب للحكومة".

ويضيف أيضًا أن إضعاف سلطة مؤسسات الدولة قد يساهم في تنامي قوة المافيا فيما يتعلق بها. وفي العقدين الماضيين منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، أصبحت هيئات الدولة التركية أكثر خضوعًا للإملاءات السياسية بدلاً من التصرف ككيانات غير سياسية. كما أدى الاستقطاب المتزايد للجمهور التركي بسبب قيادة أردوغان المثيرة للانقسامات إلى تغذية خطاب "نحن ضدهم" في الداخل. ومن خلال انضمامها لتحالف الشعب اليميني، تُمنح المافيا على الأقل مستوى معينًا من الشرعية السياسية للاعبين مثل بهجلي وحزب الحركة القومية.

بدا حزب العدالة والتنمية في بعض الأحيان غير مرتاح لهذا الوضع. وبعد أن هدد تشاكيجي زعيم حزب الشعب الجمهوري العام الماضي، لم يقدم المتحدث باسم الحزب سوى توبيخًا لطيفًا قبل المضي في الدفاع عن حق بهجلي في الحفاظ على علاقة شخصية مع رجل العصابة.

شعور الإفلات من العقاب بالنسبة لأحد رجال العصابات هذا تم فرضه بشكل مخيف من قبل الدولة نفسها. وفي أواخر نوفمبر، أفادت الأنباء أنه تم القبض على مواطن تركي في منطقة كوساداسي في أيدين بتهمة "التحريض على العداء والكراهية" بعد أن نشر إهانة ضد بهجلي على الإنترنت. وقبل اعتقاله، قال شقيق المواطن إن العائلة تعرضت للتهديد من قبل أعضاء حركة "الذئاب الرمادية" في كوساداسي بسبب حديثهم ضد تشاكيجي.

وبالنسبة لتركي ألمظ، تنهار الدولة من الانقسامات التركية التي تعمل على تمكين وإضفاء الشرعية على موقف الجريمة المنظمة. وقال تركي ألمظ "أصبح جهاز الدولة أقل قوة ويضعف يومًا بعد يوم، وهكذا أصبحت المافيا أكثر صعوداً اليوم. يمكننا القول إن المافيا تستخدم الدولة أكثر من العكس".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/alaaddin-cakici/turkeys-mobsters-grow-more-confident-state-weakens
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.