Ergun Babahan
سبتمبر 21 2019

في تركيا..لا يمكن للدولة أن تُثني الأكراد عن قضيتهم

كان أول عمل يقوم الجنرال إلكر باشبوغ، بعد أن تم تعيينه رئيساً لأركان الجيش التركي، أنه خرج في جولة إلى المحافظات الكردية، والتقى بالسكان هناك. كان هناك قرار اتخذه الجنرال المتقاعد في ذلك الوقت. أذكر أن هذا القرار كان على النحو التالي تقريباً:  لا يهم عدد المقاتلين الذين قتلتموهم للحيلولة دون تنامي قوة حزب العمال الكردستاني، بقدر ما يجب عليكم بذل جهدكم لمنع الشباب، الذين لديهم استعداد لأن يحلوا محل من قتلوا، من الصعود إلى الجبال كذلك.

نعم، هناك الآلاف من الشباب المستعدين لأن يحلوا محل كل شاب يموت، وبالتالي لا يصبح هناك معنى لأي تصريح نسمعه بعد ذلك من قبيل "لقد قتلنا الكثير من عناصر حزب العمال الكردستاني"؛ لأن هذه الصورة لن تأتي بأية نتائج سوى أنها ستجعل الشباب الفقراء في البلد أكثر نقمة وإيذاءً لبعضهم البعض. 

ووفقاً لدراسة أعدها مركز أبحاث الإرهاب الدولي في عام 2011، تتراوح أعمار ما لا يقل عن 17% من المقاتلين الذين يسكنون الجبال  بين 23 و 24 سنة، في حين تتراوح أعمار 15% منهم بين 21 و 22 عاماً. وتشير الدراسة كذلك إلى أن ما لا يقل عن 97% من الذين قضوا نحبهم في الحرب ضد الدولة كانوا دون سن 35 عاماً،  كما أكدت الغالبية العظمى من الشباب، الذين شملهم الاستطلاع، أنهم انضموا لصفوف حزب العمال الكردستاني، إما في سن 17-18 أو في سن 19-20. وتذكر الدراسة كذلك أن مدة البقاء فوق الجبال هي ثلاث سنوات للرجال وسبع سنوات للنساء.  

من ناحية أخرى، كذَّبت الدراسة، التي أعدها مركز مُقَّرب من الحكومة، الزعم القائل بأنه يجري خداع الأطفال وإجبارهم على الصعود فوق الجبال والعيش هناك. علاوة على ذلك، فهؤلاء الشباب يعلمون بخبر موت أقرانهم الذين صعدوا قبلهم إلى الجبال.

وعلى الرغم من هذا، فهم لا يترددون في الصعود. والسبب في هذا أنهم يؤمنون بأن الموت بشرف أفضل من الحياة بلا شرف، أو بمعنى آخر لم تترك لهم الحياة التي يحيونها أي خيار آخر.

أعتقد أن ما كتبه الصحفي روشَن شاهان على موقع "بيانت" الإخباري مهم أيضاً في هذا الصدد.

"رأيتُ، عندما تم ضبطي لأول مرة، أطفالاً في نصف عمري، وعلى الرغم من هذا كانوا يخضعون للتحقيقات في جهاز الاستخبارات العسكرية ومكافحة الإرهاب في ديار بكر. كانوا يقولون لهم: أنتم أطفال، ثم يمارسون ضدهم أبشع أنواع العذاب.

كنتُ في السابعة عشرة، بل كنتُ في الثامنة عشرة. ناهيك عن كل شيء، فأنا لم أكن أتخيل حينها أن الإنسان يمكنه أن يضطهد إنسانًا آخر بهذا الشكل.

يتعين على كل من يتساءلون عن سبب صعود هؤلاء الأطفال (الشباب) الجبال، وكل من يهتمون بأمرهم حقاً أن يسألوا أولاً عن الظروف التي دفعتهم لأمر كهذا. خلاف ذلك، فإنه لن يكون هناك طائل من وراء حديثنا، تماماً مثلما نسأل لماذا سرق الطفل الجائع الخبز. سرق الطفل ليس لأنه خُدع أو ضلله آخرون، وإنما لأنه كان جائعاً. وبالمنطق نفسه، صعد طفل آخر الجبل؛ لأن ظروفه الاجتماعية قادته إلى هناك، وبالتالي لم يجد أمامه بديلاً آخر سوى هذا الأمر".   

وبصرف النظر عن العنف الذي تمارسه الدولة بأيدي الشرطة والجنود وكل من يحميها، هل هناك سبب حقيقي يمكن أن يُثني الأكراد عن الصعود إلى الجبال، ونحن نرى تحيز القضاء ضدهم... هل بمقدور أحد أن يُقنع الأكراد بأن لحياتهم قيمة، بعد أن فقدوا كل هذا العدد من أطفالهم تحت عجلات السيارات المصفحة. لا يفرق في هذا إن كانوا يلعبون في الشارع حينها أو أنهم كانوا يغطون في النوم في منازلهم، فالنتيجة واحدة، وهي أن الجاني سيظل بمأمن عن العقاب.

هل كان حزب العمال الكردستاني سيمتلك هذه الدرجة من القوة خلال هذه الفترة القصيرة لولا المعاناة التي يكابدها المعتقلون داخل السجون التركية؟ افتحوا كتاب الأكراد لحسن جمال، واقرأوا إن شئتم عما ارتكبته الدولة في حق مواطنيها من الأكراد، وعلى رأسهم أحمد تورك...  أو توجهوا إلى أية مدينة تسكنها أغلبية كردية. حاولوا أن تفهموا كيف جعلت السيارات المصفحة وسيارات مكافحة الشغب المتمركزة في كل مكان، ورجال الشرطة، الذين يجولون المكان، وهم يعلقون بنادقهم في صدورهم، الشباب يشعرون أنهم يعيشون في بلد محتل، وليس في وطنهم هم.  

تخيلوا مدى الغضب الذي يشعر به هؤلاء الشباب تجاه والديهم الذين استكانوا لسياسات الدولة ضدهم. هؤلاء هم الشباب الغاضب، الناقم على الدولة، وعلى عائلاتهم، وعلى كل الذين لا يناضلون، ويرتضون لأنفسهم ذل الهزيمة. كيف يمكنكم أن تمنعوا هؤلاء الشباب من الصعود إلى الجبال إذا كان البديل هو الفقر والبطالة والإذلال.

الحقيقة أن صفحات الكتب لا تسع الحديث عما قاساه الأكراد. يعرف كل شخص يعيش في هذا البلد، ولا سيما الأكراد، ماذا يحل بكل من يعارض سياسة السلطة الحاكمة بقيادة حزب العدالة والتنمية. إنهم يعرفون كذلك أن الطريقة الوحيدة للعيش في هذا البلد هي أن تكون تركيًا خالصاً، وتتخلى عن عرقك وانتمائك. الأكراد أيضاً يعرفون هذا جيداً. 

فكرة الأمة عند الأكراد تماماً مثل فكرة الدين تجمع الناس جميعاً في بوتقة واحدة، وتُمكّنهم من العمل والتضامن معًا. وإذا كان لدى الأتراك حكايات مبنية على حكاية "التفاحة الحمراء" (فكرة عميقة في عقول الأتراك، وهي رمز للقبائل التركية، وتعني "مواصلة الفتوحات حتى بلوغ النصر، والوصول إلى أقصى حد أو أبعد نقطة)، فالأكراد أيضاً لديهم حكايات تعود إلى إمبراطورية "ماد" الكردية القديمة. 

هناك تاريخ سطرته الرموز والقصص والمراسم والطقوس الخاصة بهم، أي أن لهم أيضاً لغتهم وثقافتهم الخاصة. إذن فالقضية، كما أكد الكاتب الصحفي غوكهان باجيك في حديثنا الأخير معه، ليست قضية اقتصادية كما تزعم الدولة، بل هي قضية عرقية في الأساس. وإذا كان كل شيء يرتبط بالاقتصاد، فما واجهت دولة مثل إسبانيا مشكلة في إقليم الباسك.

لا شك أن تركيا حققت اليوم التفوق التكنولوجي على حزب العمال الكردستاني، بما تملكه من طائرات من دون طيّار. ولا شك أن هذا التفوق التكنولوجي قلل، بشكل كبير، من قدرة حزب العمال الكردستاني على التحرك... ومع هذا، يجب ألا نغفل حقيقة أن التكنولوجيا أيضاً كانت سلاحاً ذا حدين، فاليوم لك، وغداً ستكون عليك.

ويُظهر الهجوم بطائرات من دون طيار، الذي تعرضت له منشآت النفط في المملكة العربية السعودية، أن العناصر الأجنبية التي نفّذت هذه الهجمات من الأراضي اليمنية قد زادت من قدرتها بالحصول على هذه التكنولوجيا. ولعل ما نُشر مؤخراً على بعض المواقع الإخبارية الكردية، بشأن استهداف قاعدة تابعة للقوات المسلحة التركية من الهواء، بأسلوب لم يتم الإعلان عنه، يعد مؤشراً آخر على ذلك.  

أقصد أن العديد من الزعماء السياسيين، من كنعان أفرين إلى تورغوت أوزال، ومن سليمان ديميريل إلى تانسو تشيلر، زعموا مرات كثيرة أنهم قضوا على حزب العمال الكردستاني. وعلى الرغم من هذا، فقد ذهبوا جميعًا، وبقي حزب العمال الكردستاني صامداً. وحتى إذا استطاعوا إلحاق الهزيمة بحزب العمال الكردستاني وتدميره، فلن يكسبوا من وراء هذا سوى بعض الوقت قبل أن تخرج جماعة أخرى تناضل ضدهم من جديد. 

أعتقد أنه يجب على الدولة أن تعي جيداً أن الحل يكمن في تقبل الواقع الاجتماعي للأكراد، وأن تسعى من أجل إيجاد حل ديمقراطي لهذه القضية، وليس اضطهاد الأمهات وأطفالهن. لا يمكنكم حل هذه المشكلة بالاكتفاء بإرسال المطربين والمغنين الشعبيين إلى هناك.. والتاريخ القريب شاهد على ذلك؛ فالديمقراطية وسيادة القانون واحترام البشر هي الطريق الذي يمر منه السلام.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/kurt-sorunu/sarkici-turkucu-sovuyla-daga-cikmanin-onunu-alamazsiniz
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.