أحمد كولوسوي
أغسطس 15 2019

في تركيا.. اليسار يفشل في أزمة اللاجئين

تعثر اليسار الاشتراكي في تركيا بدرجة كبيرة فيما يتعلق بأزمة اللاجئين السوريين التي تعيشها البلاد في هذه الأوقات.

فبينما شمر حزب العدالة والتنمية الحاكم عن ذراعيه لشن حملة تستهدف اللاجئين السوريين في تركيا والذين يقدر عددهم بين 3.6 وأربعة ملايين شخص، نجد اليسار أو معظمه غير قادر على التموضع بشكل واضح من هذه القضية التي أصبحت أحد أهم أكبر مشاكل تركيا في الوقت الراهن.

وبعد وقت قصير من الانتخابات المحلية التركية التي تعرض فيها حزب العدالة والتنمية لواحدة من كبرى هزائمه منذ عقود، بدأت تقارير تتحدث عن مداهمات تستهدف منازل سوريين وأعمالهم واقتناص بعضهم في الشوارع إن لم يكن بحوزتهم بطاقات هوية وإعادتهم إلى سوريا بواسطة الحافلات.

والشهر الماضي، أُبلغ اللاجئون السوريون في إسطنبول، وهي القلب الاقتصادي النابض لتركيا وفيها ما يقرب من 900 ألف سوري، بأن أمامهم حتى العشرين من أغسطس الجاري لمغادرة المدينة ما لم يكونوا مسجلين بها.

وتسببت حملة القمع في انتشار الخوف في أوساط الجالية السورية التي تُواجه بأشد الهجمات والعنصرية.

فالجالية التركية باتت الهدف السهل لجميع ألوان الطيف السياسي في تركيا وهم الذين استقبلوا غير بعيد بأذرع مفتوحة.

ويتمسك كبار السياسيين والمعلقون المحسوبون على اليسار في تركيا بأن حملة القمع التي يشنها حزب العدالة والتنمية على اللاجئين السوريين مدفوعة بضغائن ضد هؤلاء بينما تعاني تركيا من تراجع اقتصادي وارتفاع نسب البطالة في حين ينظر البعض إلى السوريين باعتبارهم أيدي عاملة رخيصة تستغل ظروف السوق لتجد لنفسها مكانا فيه.

في الوقت ذاته، يقول المعلقون إن اليسار التركي قد راح ضحية حملات شعبوية قائمة على التخويف من السوريين، الذين ينظر إليهم باعتبارهم إسلاميين عربا يشكلون تهديدا للجمهورية العلمانية.

وليست تركيا بغريبة على موجات التخويف من الإسلام، وفقا لما يقوله النائب البرلماني عن حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد مراد شيبني الذي يضيف أنه ما لم تنجح تركيا في الوصول لمرحلة السلام الاجتماعي، فلن يكون بوسع أي سياسة أن تعمل بفعالية للتصدي لحالة ازدراء الأقليات السائدة منذ فترة طويلة.

وقال شيبني "لم يتخل الحزب الحاكم قط عن سياسة الاستقطاب، ولا عن العنصرية ولا الشوفينية كوعاء سياسي له."

وكان شيبني هنا يُذكّر بما حدث خلال الانتخابات المحلية الأخيرة في مارس الماضي حين ألصق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تهمة الإرهابيين بكل من ليس في معسكر تحالف حزب العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية.

وأضاف البرلماني التركي "خطاب التنفير من الأكراد والعلويين واليساريين لم يخمد مطلقا"، متابعا أن هذا يشمل حزب الشعب الجمهوري وهو حزب المعارضة الرئيسي في البلاد وكذلك حزب العمال.

ويقول شيبني إن حملة المعارضة التي شنتها أجهزة الدولة على اليسار الاشتراكي في أعقاب محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في يوليو عام 2016 قد تسببت في شل قدرته على تنظيم سياسة سلمية ردا على الحرب في سوريا.

لكن من الغريب أيضا أن كثيرين من أعضاء اليسار في تركيا لهم رؤى سلبية مشابهة لرؤية اليمينيين في حزب العدالة والتنمية فيما يخص الحكم الذاتي للمنطقة الكردية في سوريا.

وتعتبر دينيز سيرت، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة أوزيجين الخاصة في إسطنبول، أن المسؤولية تقع على عاتق الحكومة بدرجة كبيرة في التصدي لخطاب الكراهية والهجمات التي تستهدف اللاجئين.

وتؤكد سيرت أن البلاد كانت تتعامل بشكل جيد لغاية مع اللاجئين السوريين إلى أن أدركت أنهم لن يعودوا إلى بلادهم.

وكشف استطلاع للرأي أجرته جامعة قادر هاس في إسطنبول هذا العام عن أن 68 بالمئة من الأتراك غير سعداء بوجود اللاجئين السوريين، مقارنة مع 58 بالمئة في 2016.

كما اعتبر استطلاع رأي آخر أجرته شركة بيار التركية للاستطلاعات أن السوريين مصنفون باعتبارهم ثاني أخطر أزمات تركيا بعد اقتصادها المتراجع.

وقالت سيرت "إننا نتحدث اليوم عن السوريين، لكن بعد عشر سنوات لن يكون خطاب الكراهية قد اختفى، هذا مؤكد، بل سيطال أقليات أخرى. من الضروري للغاية أن تطبق العدالة والقانون على كل من يعيش داخل حدود تركيا."

ويشير هاكان أتامان، العضو المؤسس لفرع منظمة العفو الدولية في تركيا، إلى أن الاشتراكيين ركبوا خلال السنوات الماضية الموجة الشعبوية واحتضنوا الخطاب المعادي للمهاجرين بغرض الحصول على الدعم الشعبي.

ولم تنأ رموز محسوبة على اليسار في تركيا بأنفسها عن وضع اللاجئين الأتراك فوق المقصلة.

فحتى الصحفي المعارض إسماعيل صايماز، الذي يعرف عادة كمناصر ومدافع عن حقوق الإنسان، أثار ضجة الشهر الماضي حين قال إن اللاجئين السوريين يستغفلون تركيا بدخول البلاد والخروج منها وقتما يشاؤون، رغم الزعم بأن تركيا ليست مكانا آمنا للعودة بالنسبة لهم.

وبالنسبة لأتامان، فإن اللاجئين السوريين باتوا هدفا سهلا لأنهم يضعون الملح على جرح قديم.

وقال أتامان "لطالما تم تصوير العرب باعتبارهم من يطعنوننا في الظهر"، في إشارة إلى الانتفاضات التي هبت ضد الحكم العثماني في العالم العربي.

وأضاف "اليوم تنبثق المعارضة الرئيسية في البلاد ويمثلها حزب الشعب الجمهوري الخائف على قاعدة مؤيديه، من الأجنحة التي ترى في السوريين إسلاميين يهددون الهوية العلمانية لتركيا."

على نفس النهج سار رئيس بلدية إسطنبول الجديد أكرم إمام أوغلو، المعروف بسياساته الشمولية، حين قال إن وصول لاجئين سوريين جدد يشكل تهديدا لدخل المواطن التركي.

وبينما يشير إمام أوغلو إلى حزب العدالة والتنمية ليحمله مسؤولية سوء إدارة أزمة اللاجئين السوريين، فإن هذا لم يمنعه من القول إن من الضروري أن تحظى مصالح المواطنين الأتراك بالأولوية حين تضع الحكومة سياساتها الخاصة باللاجئين.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: 

https://ahvalnews.com/syrian-refugees/turkeys-left-drops-ball-refugee-crisis
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.