عبر بوابة الإصلاح.. أقدام تركيا تغوص في رمال اليمن الساخنة

عدن (اليمن) – بدأت عيون تركيا تشخص نحو اليمن مرة أخرى مع بداية العام 2011 حيث شيدت نصبا تذكاريا في قلب العاصمة صنعاء على بعد أمتار من مبنى وزارة الدفاع، لتخليد ذكرى الجنود الأتراك الذين فقدوا أرواحهم ضمن الفيلق السابع خلال فترة الاحتلال العثماني للبلاد.

ولكن بصمات أنقرة الخشنة ظهرت بشكل أوضح منذ العام 2013، حيث تدفقت شحنات السلاح إلى المدن اليمنية بغزارة وأعلنت السلطات الأمنية آنذاك عن ضبط العديد منها، والتي كانت تضم مسدسات كاتمة للصوت يعتقد أنها استخدمت بعد ذلك على نطاق واسع في عمليات الاغتيال.

ودفعت تلك الوضعية مسؤولين أمنيين للظهور على القناة الرسمية لاستعراض شحنات السلاح المضبوطة في رسالة تعزز وجود أجندة سياسية تقف وراء التهريب الممنهج للأسلحة التركية إلى اليمن.

مخالب القط التركي

عمدت أنقرة لاستخدام شخصيات سياسية يمنية من جماعة الإخوان المسلمين وأخرى مرتهنة لدائرة المصالح الإخوانية والقطرية، كقفازات لتدخلها في المشهد اليمني منذ فترة مبكرة في إطار الطموحات التركية للعودة إلى مناطق نفوذ الدولة العثمانية.

ومن أبرز الشخصيات التي لعبت دورا في تعزيز تلك الأطماع في اليمن، السياسي والشيخ القبلي ورجل الأعمال والقيادي الإخواني حميد الأحمر، الذي ارتبط بشكل وثيق بتركيا وكان من أوائل من غادروا نحو إسطنبول بعد الانقلاب الحوثي في سبتمبر 2014.

وقام الأحمر بنقل أمواله ونشاطه التجاري والسياسي إلى تركيا، وقد ظهر في مناسبات عدة وهو يعبر عن دعمه للأحلام التوسعية التركية وآمال استعادة مجد الإمبراطورية العثمانية الغابرة، كما أشرف على تنظيم مهرجان دولي في إسطنبول تحت عنوان “شكرا تركيا” شارك فيه أقطاب التنظيم الدولي لجماعة الإخوان من مختلف دول العالم، كما رصد جائزة لأجمل قصيدة في مدح تركيا وأردوغان في الوقت الذي كانت المجاعة تقتل اليمنيين.

وإلى جانب الدور الذي لعبه الأحمر، برز دور الناشطة اليمنية الحاصلة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان التي تم منحها الجنسية التركية بعد حصولها على جائزة نوبل في 2011، حيث التقت بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان حينها وقدمت له شرحا لخطط حزبها الإخواني في اليمن وأهدافه الخفية والمعلنة، كما نقلت نشاطها الإعلامي والسياسي المعادي للتحالف العربي إلى مدينة إسطنبول ومن ذلك قناة بلقيس الممولة من قطر.

ولا يقتصر الدور الذي لعبه إخوان اليمن في خدمة المشروع التركي على عدد محدود من قيادات الجماعة، حيث يتواجد المئات منهم في تركيا، مثل القيادي الإخواني وعضو مجلس شورى الإصلاح، صلاح باتيس الذي أنشأ مؤسسة تحت اسم “وقف أويس القرني لليمن” في تركيا، يعتقد أنها باتت غطاء لتبييض أموال الإخوان وإيصال الدعم المالي التركي للجماعة في اليمن.

ويتجاوز النشاط الذي يسوق لدور تركي مرتقب في اليمن الجانب السياسي والإعلامي إلى الجانب العقائدي الذي يتبناه القيادي الإخواني وأحد أبرز منظري الجماعة الشيخ عبدالمجيد الزنداني المدرج على اللائحة الأميركية للإرهاب، والذي ظهر في مقطع فيديو وهو يبكي عقب الانقلاب العسكري الذي كاد يطيح بأردوغان.

أنقرة تبث عيونها في خارطة اليمن الجيوسياسية
أنقرة تبث عيونها في خارطة اليمن الجيوسياسية

وتبنى الزنداني في احتجاجات 2011 التي شهدها اليمن وعدد من الدول العربية فيما عرف بـ”الربيع العربي” خطابا أيديولوجيا يتمحور حول التبشير بعودة دولة الخلافة الإسلامية التي تحولت إلى واجهة للطموحات التركية الحديثة المدفوعة برغبة في استعادة نفوذ الرجل المريض (الخلافة العثمانية).

وإلى جانب القيادات العقائدية في الفرع اليمني لتنظيم الإخوان التي يتكئ عليها المشروع التركي في حلمه للعب دور مفترض في الملف اليمني، لعبت الأموال القطرية ودائرة المصالح والاستقطاعات الموازية دورا في تجنيد سياسيين يمنيين لخدمة هذا المشروع من خارج دائرة تيارات الإسلام السياسي.

وتهدف هذه الخطوة إلى التنويع العمودي والأفقي في قائمة الموالين لمشروع قطر وتركيا في اليمن، ومن أبرز الوجوه التي تلعب دورا بارزا في هذا السياق، وزير النقل المستقيل صالح الجبواني الذي يوصف عادة بالسياسي المتلون بالنظر إلى تاريخه الحافل بالتحولات السياسية من النقيض إلى النقيض.

وأثار الجبواني موجة من الجدل بعد تعيينه وزيرا للنقل وزيارته لتركيا وتوقيعه اتفاقا مع الحكومة التركية في مجال النقل البحري وإدارة الموانئ والمطارات، تبرأت منها الحكومة اليمنية لاحقا. كما اشتهر بتصريحاته المعادية للتحالف العربي والمجاهرة بطلب التدخل التركي في اليمن ورفض اتفاق الرياض الموقع بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي، وقد كشفت “العرب” في تقارير سابقة عن إنشائه لمعسكرات تجنيد في محافظة شبوة بتمويل قطري.

وإلى جانب الجبواني يظهر صف طويل من السياسيين والإعلاميين والناشطين اليمنيين على الشبكات الاجتماعية الذين يروجون لخطاب متطرف وصادم يجاهر علنا بدعوة تركيا للتدخل في الملف اليمني.

ومن هؤلاء يبرز السياسي اليمني متقلب الولاءات والمواقف وعضو مجلس الشورى علي البجيري، الذي ظهر في الكثير من مقاطع الفيديو وهو يناشد تركيا للتدخل في اليمن، كما كشف في أحد تلك التسجيلات عن لقاءات عقدها سياسيون وأكاديميون يمنيون في تركيا طالبوا فيها أنقرة بالتدخل في اليمن.

وشارك العشرات من الإعلاميين والناشطين المعروفين بانتمائهم للإخوان مؤخرا في حملات إعلامية ممنهجة للمطالبة بدور تركي في اليمن على غرار ليبيا. ولم تقتصر المطالبات على إخوان اليمن، بل شاركت قيادات إخوانية عربية في حملة التبشير بتدخل من هذا النوع ومن هؤلاء الإخواني الكويتي ناصر الدويلة.

ضباط استخبارات أتراك يزورون المناطق المحررة بصفتهم موظفين في هيئة الإغاثة التركية
ضباط استخبارات أتراك يزورون المناطق المحررة بصفتهم موظفين في هيئة الإغاثة التركية

وفي الجهة التركية، لم يخف كتاب وصحافيون مقربون من النظام التركي وجود مطامع تركية في اليمن كما هو الحال مع الكاتب التركي إسماعيل ياشا الذي نشر مقالا في صحيفة ديريليشن بوستاتي التركية بعنوان “اليمن ينتظرنا” يلوح فيه بتدخل تركي في اليمن.

ورغم تواجد قيادات الحكومة اليمنية الشرعية وكثير من قيادات إخوان اليمن في دول التحالف العربي، لكن في العامين الأخيرين شهدت ما يشبه موجة نزوح سياسي لافتة إلى تركيا، إذ يشير تقرير نشرته وكالة الأنباء التركية الرسمية الأناضول إلى أن شراء اليمنيين للعقارات في تركيا ارتفع بمعدل خمسة أضعاف. ويؤكد التقرير أن عدد المنازل التي اشتراها اليمنيون في تركيا زاد خلال الأشهر التسعة الأولى من 2019 بمعدل 536 في المئة مقارنة مع ذات الفترة من 2015.

ووفقا للتقرير، فقد اشترى اليمنيون في تركيا 1082 منزلا في أول تسعة أشهر من العام الماضي مقابل حوالي 170 منزلا فقط خلال الفترة ذاتها في 2015. ويأتي اليمنيون في المرتبة الـ15 بين أكثر الأجانب شراء للمنازل في تركيا عام 2017، ثم المرتبة الـ11 في عام 2018 والتاسعة في العام الماضي.

ونقلت وكالة الأناضول في وقت سابق عن رئيس شركة العقارات الأميركية كولدويل بانكر في تركيا، غوكهان طاش قوله إن “الموضوع الملفت للانتباه في مسألة بيع المنازل للأجانب، هو زيادة عدد العقارات التي اشتراها اليمنيون في تركيا”.

ولا يتوقف التأثير الإخواني على وجود قيادات الإخوان اليمنيين وبعض قيادات الشرعية في تركيا، حيث أن منصة التواصل الاجتماعي “فيسبوك” ومن خلال عملية بحث بسيطة حول البلدان التي تدار منها حسابات قيادات وقنوات إخوان اليمن ومراكزهم ومنظماتهم، بما في ذلك حسابات قادة أحزاب يمنية، تبين أنها جميعا تدار من تركيا، كما تتواجد في مدينة إسطنبول معظم القنوات ووسائل الإعلام الإخوانية اليمنية المعادية للتحالف العربي مثل قناة بلقيس ويمن شباب والمهرية وغيرها.

البحث عن مصراتة اليمنية

فتح التدخل التركي في ليبيا شهية الإخوان وأنقرة على السواء للبحث عن موطئ قدم في الملف اليمني على غرار التدخل في ليبيا والذي تشير المصادر إلى أن مدينة مصراتة الليبية الساحلية التي يسيطر عليها الإخوان كانت بوابته الأولى، ومن هنا بدأت رحلة البحث عن نموذج مشابه في اليمن ووقع الاختيار على 3 مدن ساحلية بحسب خبراء يمنيين ومصادر إعلامية هي سقطرى والمخا وشبوة.

ولتحقيق هذا الهدف بدأت أنقرة تبث عيونها في خارطة اليمن الجيوسياسية لدراسة كل السيناريوهات وتهيئة الأرضية المناسبة بانتظار نضوج اللحظة المناسبة سياسيا وعسكريا للانقضاض على الملف اليمني، ولهذا الغرض كان لا بد من تفعيل النشاط الاستخباري الذي شق طريقه متخفيا تحت عباءة العمل الإنساني والمنظمات الإغاثية التركية.

وهذا الأمر كشفت عنه صحيفة أنتليجنس الفرنسية المتخصصة بأخبار الاستخبارات في العالم، والتي أكدت صحة التقارير التي انفردت بها “العرب” سابقا حول استخدام أنقرة منظمات خيرية تركية ويمنية تابعة لجماعة الإخوان كوسيط لتمرير جواسيسها إلى داخل اليمن.

وتكشف وثيقة مسربة عن طلب تقدمت به جمعية الإصلاح الخيرية للسماح لضباط استخبارات أتراك بزيارة المناطق المحررة بصفتهم موظفين في هيئة الإغاثة التركية، كما تظهر تسجيلات وصور لقاءات جمعت ضباطا أتراكا في أوقات مختلفة بقيادات إخوانية بارزة في المناطق المحررة وبعض مسؤولي السلطة المحلية في المحافظات المحررة. ومن أبرز المنظمات التركية والقطرية التي تنشط في اليمن، جمعية الرباط التركية وهيئة الإغاثة التركية وجمعية الحق للإغاثة ومنظمة تيكا التركية والهلال الأحمر التركي ومنظمة آفاد التركية وممثلها مصطفى دياز وهيئة الإغاثة التركية.

وثيقة مسربة

وفشلت خطة تركيا التي مولتها قطر وحركتها أذرع الإخوان في إيجاد موطئ قدم للتدخل التركي في سقطرى بعد سيطرة المجلس الانتقالي على الجزيرة ومغادرة المحافظ رمزي محروس، الذي تؤكد المعلومات أن نشاطه التصعيدي تزايد بعد زيارة قام بها لتركيا حيث ظهر برفقة قيادات إخوانية متشددة.

كما أعاق وجود قوات المقاومة اليمنية المشتركة في الساحل الغربي المخطط التركي الذي ينفذه حمود سعيد المخلافي للوصول إلى ميناء المخا، لتنصب اهتمامات الإخوان لاحقا على محافظة شبوة اليمنية الواقعة على ساحل بحر العرب بمساحة 200 كم والتي لا تبتعد كثيرا عن القواعد العسكرية التركية في الساحل الصومالي.

وكثف إخوان اليمن نشاطهم للهيمنة على محافظة شبوة عبر خطة ممنهجة لاستبدال القيادات غير الإخوانية، وبرز التركيز على كل ما له علاقة بالساحل حيث تمت إقالة كل القيادات العسكرية والمدنية التي تربطها صلة بنشاط السواحل والموانئ وتعيين قيادات إخوانية فيها، ومن أبرز مظاهر هذه الاستراتيجية، تعيين قيادات جديدة في خفر السواحل وهيئة الاصطياد البحري وميناء بلحاف وإنشاء معسكرات جديدة بتمويل قطري يشرف عليها وزير النقل المستقيل صالح الجبواني تتبنى عقيدة معادية لدول التحالف ومؤيدة لتركيا وقطر.

ويتم كل ذلك بالتوازي مع شن حملة إعلامية على قوات التحالف العربي الموجودة في بلحاف والساحل الشبواني تحولت في بعض المراحل إلى هجمات عسكرية. وقد أعلن محافظ شبوة مؤخرا عن تدشين منتجع سياحي في منطقة بير علي وهي المنطقة التي اشتهرت بكونها أكبر ممر لتهريب السلاح للحوثيين بين عامي 2016 و2018 نظرا لخصائصها الجغرافية.

ويخشى مراقبون من أن يكون ذلك مجرد غطاء لتمرير شحنات أسلحة قد تكون قادمة من إيران، وهو ما كشف عنه القائد العسكري الإخواني في تعز عبده المخلافي الشهير بـ”سالم”، والذي تحدث في تسجيل مسرب عن وعود تركية بتقديم أسلحة وعربات.

ماذا تريد تركيا والإخوان

لم يخف إخوان اليمن يوما رغبتهم في البحث عن حليف إقليمي يخدم توجهاتهم الأيديولوجية والسياسية وهو الأمر الذي لم يجدوه في التحالف العربي، وتكشف أحاديث وتسريبات لمجموعة من قيادات الإخوان في اليمن عن تفكير الجماعة جديا في البحث عن إيجاد حلفاء جدد للحزب في
اليمن، وهذا الحليف المفترض هو “تركيا” التي تحولت إلى حاضن إقليمي ودولي لأنشطة جماعة الإخوان حول العالم.

وعلى الطرف الآخر وجدت أنقرة ضالتها في فروع جماعة الإخوان المسلمين الذين استخدمتهم كأدوات لتحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية على ذات النمط الإيراني.

وبينما تبدو رغبة أنقرة أكثر وضوحا في حصد مكاسب اقتصادية من خلال تدخلها في ليبيا، إلا أن محاولة إيجاد موطئ قدم لها في خاصرة الجزيرة العربية باتت جزءا من مخططها للتوسع والتواجد في المضائق المائية والبحار المفتوحة كمقدمة للتحول إلى قوة دولية جديدة كما تكشف عن ذلك طموحات رئيسها رجب طيب أردوغان وتصريحاته.

وتشير دراسات حول طبيعة النشاط التركي في المنطقة إلى أنه جزء من خطة للانتشار بدأتها أنقرة من خلال التدخل في شمال سوريا والعراق والتواجد في ليبيا وقطر والصومال ومحاولة الحصول على قاعدة عسكرية في جزيرة سواكن السودانية قبل سقوط نظام البشير.

وعلى المدى القريب تبدو تحركات أنقرة في ما يتعلق بالملف اليمني محاولة للابتزاز السياسي ومقايضة الإقليم والعالم بملفات أخرى في سوريا وليبيا، واستمرارا لنهج الصراع الذي خلقه أردوغان مع مراكز الثقل العربي في السعودية ومصر والإمارات ومحاولة تطويق تلك الدول، التي تعيق مشروعه التوسعي وأحلامه العثمانية في المنطقة التي تحولت في فترات سابقة إلى أيقونة للفشل التركي.