أزمة اللاجئين هدية أردوغان لليونان

أعتقد أن الضحية الأولى للحروب، وربما للصراعات أيضًا، هي الحقائق.

نظرًا لأن وسائل إعلام تركيا واليونان تقدم معلومات متناقضة تمامًا حول قضية واحدة، فإنني أعتقد أننا نواجه كذبة، ربما كذبتين! فالجانب التركي يزعم أن أكثر من 100 ألف لاجئ عبروا الحدود إلى اليونان، بينما يتحدث الجانب الآخر عن عبور 100 مهاجر فقط، مضيفًا في الوقت ذاته، أنه تم القبض عليهم وإرسالهم إلى السجون.

لا أستطيع أن أصدق وصول الأعداد إلى الآلاف، وذلك لسببين: أولا، فقد قال وزير الداخلية التركي سليمان صويلو في إحدى تصريحاته: "لقد عبر إلى اليونان 130 ألفًا 469 شخصًا". كيف توصل إلى هذا الرقم؟ فهل عبروا إلى الجانب اليوناني عبر البوابات الإلكترونية حتى يمكن الوصول إلى هذا الرقم الدقيق، خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار إعادة السلطات اليونانية من تجاوزوا إلى أراضيها إلى الطرف التركي مجددًا. 

وكان الوزير التركي ردّ على سؤال صحفي تشكك في صحة هذا الرقم قائلاً: "هل أنت تتهمني بالكذب؟ أنت تقوم بالدعاية لصالح اليونان"، مما يكشف أنه يعتبر الاستفسار عن العدد الحقيقي  أو التشكيك في صحته من المحرمات. فالعدد هو كما صرح الوزير وكأنه "حذامِ" التي تصدَّق إذا قالت.

والسبب الثاني الذي يمنعني من تصديق مزاعم السلطات التركية هو أن عشرات الآلاف الذين عبروا الحدود لم يظهروا في اليونان. فالعدد كبير جدًا، وتعتبر منطقة تراقيا الغربية ضيقة. فكيف يمكن تفسير عدم أي نوع من الاتصال أو المقابلة بين المراسلين المحليين والدوليين أو المواطنين اليونانيين وعشرات الآلاف من المهاجرين؟ فهل يمكن أنهم ذهبوا خلسة دون أن يلاحظهم أحد؟ هذا لا يقع في دائرة الاحتمال.

عدد المهاجرين الذين عبروا الحدود مهم للغاية لأمرين؛ إذا كان العدد مرتفعًا، أو بالأحرى، إذا اعتقد المهاجرون أن العدد مرتفع، فإن الراغبين في الوصول إلى أوروبا سوف يتشجعون على التدفق إلى الحدود والعبور إلى القارة العجوزة. لكن إذا كان العبور صعبًا أو مستحيلاً فلن يقدموا على هذه الخطوة. بالإضافة إلى أنه ينبغي أن يكون العدد مرتفعًا حتى يحدث التهديد التركي أثره في دول الاتحاد الأوروبي. بمعنى أن لكل من الطرفين التركي واليوناني أسبابه ومبرراته للتضحية بالحقيقة. هذا هو التفسير المنطقي للمشهد.

والقضية الأخرى أن الشعب اليوناني لم يُظهر منذ عقود مثل هذا الانسجام والتوافق. فالشعب اليوناني اعتبر "عبور الحدود بالقوة" تهديدًا وابتزازًا من تركيا، بل احتلالاً منها لأراضيهم. وخصوصًا أن اليونان عدّت توجه المهاجرين لاستخدام الحدود اليونانية وعدم تجربتهم الحدود البلغارية أبدًا للانتقال إلى أوروبا "توجيهًا قسريًّا متعمّدًا" من السلطات التركية.

لقد تحولت أزمة اللاجئين إلى "قضية وطنية" بالنسبة لليونان. حتى زعيم المعارضة الرئيسي، تسيبراس، أيد قرار رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس بإغلاق الحدود، وذلك على الرغم من أنه زعيم يمارس السياسة في السنوات الأخيرة تحت شعار "الحدود المغلقة عنصرية"، ووصف رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان بـ"الفاشي" لإغلاقه الحدود.

يجب أن نطلق على ما وقع "هدية أردوغان لليونان"؛ فقد وحّد اليونانيين حول موضوع واحد على الرغم من حالة الاستقطاب التي تسود بينهم. هذا الدعم الاجتماعي العام سهل على الحكومة اتخاذ تدابير صارمة بشأن المهاجرين، حيث يتم حبس العابرين للحدود دون إذن بأمر من المحكمة.

وبما أن اليونان لن تستطيع إنشاء "منطقة آمنة" داخل الأراضي التركية بحجة أنها تواجه "أزمة لجوء لا يمكنها التغلب عليها"، فإنها تحاول منع عبور المهاجرين ولو بانتهاك القانون الدولي.

المعابر البحرية تعتبر خاصرة اليونان، لذا تتحدث السلطات اليونانية عن اتخاذ خطوات راديكالية في هذا الصدد أيضًا. وقد رأت اليونان التطورات الأخيرة فرصة لإطلاق يدها والتخلص من الضغوطات التي مورست عليها لتكون حساسة وحذرة فيما يخص حقوق الإنسان والمهاجرين. والذي فكّ هذ القيود التي كانت تكبل يديها هو الحملة الأخيرة لأردوغان.

ومن ثم بدأنا نسمع أن دول الاتحاد الأوروبي تعتزم اتخاذ إجراءات أكثر صرامة في هذا المضمار. على سبيل المثال، تقول الكواليس بأن الذين جاؤوا إلى اليونان بعد الأول من مارس بدون إذن لن يتم حبسهم في الجزر أو المناطق البرية المعروفة، وإنما في الجزر التي لا يعيش فيها حاليًّا أحد أو يعيش عدد قليل جدًّا من الناس. وكانت السلطات اليونانية تمنح رواتب معينة للحاصلين على صفة اللاجئ حتى الآن؛ إلا أنها أعلنت مؤخرًا أنها أقلعت عن تقديم هذه المساعدة حتى لا تكون البلاد جذابة للأجانب.

من جانب آخر، تنطوي حركة الانتقال والعبور إلى الأراضي اليونانية على أهمية كبيرة من حيث العلاقات الثنائية بين تركيا والاتحاد الأوروبي. فكلما لجأ أردوغان إلى التهديد بفتح "المعابر الحدودية" هبّ الاتحاد الأوروبي للبحث عن سبل للتعامل مع تركيا وقدم له كثيرًا من التنازلات. هذه الورقة لم تعد مجرد سلاح يسلطه أردوغان على الاتحاد بل أصبحت تطبيقًا روتينيًّا. وإذا توقفت حركة الانتقال والعبور أو تضاءلت فلن يؤثر هذا التهديد على الاتحاد الأوروبي. مثل هذا التطور يعني فقدان أردوغان أقوى بطاقته الرابحة أو التقليل من قوة أثرها على الاتحاد على أقل تقدير. لقد سار مثلاً أن التهديد نفسه أقوى ردعًا من استخدامه بالفعل. 

قرار فتح الأبواب والحدود وإرسال المهاجرين يتضمن مكائد ومخاطر أخرى. حيث إن أولئك الذين يصلون إلى الحدود لكن يفشلون في تجاوزها إلى الجانب اليوناني سيفكرون أنهم تعرضوا للخداع وباتوا أداة لسياسات أنقرة. وقد يتحول هذا الأمر إلى غضب عارم ضد أردوغان مع مرور الوقت.

لن يرغب أردوغان في خسارة بطاقة "الحدود المفتوحة" الرابحة، خاصة بعد فقدانه السيطرة على طريقي أم 4 وأم 5 البريين في سوريا؛ بل سيحاول تسريع عملية نقل وعبور المهاجرين.

من جهة أخرى، تحتوي "حرب عبور الحدود" على أهمية كبيرة من حيث علاقات اليونان مع الاتحاد الأوروبي أيضًا، فقد بات الآن نهر "ميريتش" ضمن حدود الاتحاد، وهذا ما تدافع عنه السلطات اليونانية. إذ نرى أن جميع دول الاتحاد الأوروبي تقف إلى جانب اليونان بشأن أزمة اللاجئين الحالية.

والمؤسف أن جماهير اللاجئين المهاجرين هم من يدفعون ثمن هذه السياسات؛ فقد أصبحوا أحجارًا على رقعة الشطرنج بين هذه الدول بعدما حرموا أوطانهم ومنازلهم.

تركيا تدفع المهاجرين إلى "العبور"، بينما الجانب الآخر يقول لهم: "ابقوا في أماكنكم". من غير الممكن التنبؤ بمن سيفوز في هذه "اللعبة" الخطيرة للغاية، لكن نعلم الخاسرين وهم: النازحون من أوطانهم ومنازلهم أملاً في الحصول على ملجأ آمن، خصوصًا المهاجرين الأتراك الحقيقيين الذين باتت ظروف معيشتهم في تركيا أصعب بكثير من السابق.

لقد أصبحت تركيا اليوم وجهًا لوجه مع ساحة جديدة من التوتر ستكون طويلة الأمد –للأسف- بسبب سياسة اللاجئين لنظام أردوغان.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/multeciler/yunanistana-erdoganin-lutfu
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.