أردوغان يريد لفرنسا حرية صحافة على الطريقة التركية

إسطنبول - هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الدول الأوروبية وفرنسا تحديدا بدفع ثمن عدم تقييد حرية النشر.

وقال أردوغان في كلمة خلال افتتاح منتدى “تي آر تي وورلد” الذي تنظمه القناة التركية الرسمية الناطقة بالإنجليزية “إذا لم يوضع حدٌ للتصرفات القبيحة التي تُمارس تحت عباءة حرية الصحافة، فإنّ أوروبا والإنسانية جمعاء ستدفعان ثمن ذلك”.

ونشرت صحيفة العرب اللندنية تقريرا تناولت فيه موقف أردوغان من حرية الصحافة في أوروبا وتجديدا فرنسا جاء فيه، يتزامن حديث أردوغان مع حملة تشنها وسائل الإعلام التركية، وخصوصا وكالة أنباء الأناضول الحكومية، لانتقاد حرية الصحافة في فرنسا، وأخذت زخما أكبر مع الضجة التي تثار حاليا بسبب المظاهرات الرافضة لمشروع قانون “الأمن الفرنسي”.

ورغم أن هجمات أردوغان ليست جديدة على الصحافة والإعلام في أوروبا بسبب انتقادهما له بطريقة ساخرة في أحيان كثيرة، إلا أن استهداف الصحافة في فرنسا جاء مكثفا في الآونة الأخيرة إذ يحمل أبعادا أخرى لعدة أسباب، في مقدمتها الخلاف والحرب الكلامية بين الرئيس التركي والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بسبب الملفات السياسية العالقة بين البلدين وتضارب المصالح السياسية فيها.

وكان مفهوم حرية التعبير الذي دافع عنه ماكرون في حديثه عن حق نشر الرسوم الكاريكاتيرية التي أثارت ضجة واسعة في العالم الإسلامي، مناسبة بالنسبة إلى الإعلام التركي للترويج والدعاية “لقيادة قافلة المدافعين عن الإسلام والمناصرين له ضد الإساءة  الغربية”، واستغلالها لمكاسب سياسية في العالم الإسلامي وعلى المستوى الشعبي.

وجدد أردوغان التذكير بها لنفس الغاية، بوصف تبني بعض وسائل الإعلام لنهج معاداة الإسلام وكراهية الأجانب بأنه “أمر مخجل”.

ويرى مراقبون إعلاميون أن الرئيس التركي يحاول إسقاط معاييره لحرية الصحافة في الغرب على الوضع في بلاده، وتكريس فكرة أن لا حرية مطلقة ويجب تقييد الصحافة والإعلام وحرية التعبير بالتزامات وضوابط تقف عندها ولا تتجاوزها، كتبرير للإجراءات المشددة التي اتخذتها السلطات التركية ضد الصحافة والإعلام.

وكان آخر هذه الإجراءات الحكم المشدد بسجن الصحافي محمد بارانسو 17 عاما بعد إدانته بنشر معلومات عن محاولة انقلاب عام 2003 في تركيا، اعتبرتها المحكمة سرية للغاية.

وبنفس الذرائع التي تفترض أن الصحافة يجب أن تخضع للخطوط الحمراء، وجهت المحكمة إلى بارانسو الكاتب في صحيفة “طرف” التركية تهمة “إفشاء وثائق سرية للدولة”، حيث نشر في الصحيفة التي يعمل فيها وثائق ومستندات تفضح مخطط انقلاب “المطرقة” على حكومة أردوغان عام 2003، حين كان يشغل منصب رئيس الوزراء عندما كان سلفه عبدالله غول رئيسا للجمهورية.

ودفعت الوثائق التي نشرها الصحافي في عام 2010 النيابة العامة إلى فتح تحقيقات أسفرت عن اعتقال عدد كبير من الضباط والجنرالات الذين خططوا لانقلاب عسكري عام 2003 على أردوغان.

وتطرق أردوغان في كلمته أيضا إلى المنصات الرقمية، وقال “عندما تغدو الرقمنة خارج نطاق الرقابة والقانون فإنها ستؤدي بنا إلى الفاشية، ينبغي ألا تؤدي الرقمنة التي توسع نطاق الحرية إلى التسبب بتهميش وخلق مظالم جديدة”.

وربط البعض بين ما قاله أردوغان وما مارسته حكومته من رقابة وحصار للمواقع الإلكترونية، إذ استهدفت بشكل منظم عشرات المواقع الإخبارية بالحظر، لهذا جاء رد الرئيس التركي على الانتقادات الموجهة لحكومته في هذا الشأن بطريقة غير مباشرة.

ويسمح القانون التركي رقم 5651 للمحاكم بإصدار أوامر لمقدمي خدمات الإنترنت المحليين بحظر الوصول إلى الروابط، بما في ذلك المواقع الإلكترونية أو المقالات أو منشورات وسائل التواصل الاجتماعي.

وخُصص القانون الذي أقرّ عام 2007 بالأساس لاستهداف استغلال الأطفال في المواد الإباحية والمقامرة عبر الإنترنت والمواد المسيئة لمؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك، من بين أمور أخرى.

وتعاملت السلطات مع هذا القانون على أساس أنه أداة رقابة قوية. واستخدمته كإحدى الطرق التي تفرض بها الحكومة رقابة على ما يتم نشره في الإنترنت.

وتم حظر يوتيوب وويكيبيديا وتويتر عدة مرات بسبب محتوى يعتبر مناهضا للحكومة أو خطيرا على الأمن القومي.

وحظرت تركيا الوصول إلى حوالي نصف مليون موقع إلكتروني العام الماضي، بحسب تقرير جمعية حرية التعبير الذي جاء بعنوان “الحظر على الويب 2019” وأكدت أن أكثر من 408 آلاف موقع تم حظرها في تركيا حتى نهاية العام الماضي.

تزيد الملفات السياسية العالقة بين البلدين من التباعد بين أردوغان وماكرون.

ولاحظ متابعون أن حديث أردوغان تضمن مغالطات عندما استنكر تغاضي الإعلام الدولي عن الإجراءات الفرنسية في التضييق على وسائل الإعلام، إذ أخذ هذا الموضوع حيزا واسعا من اهتمام وسائل الإعلام الدولية بما فيها التلفزيون الفرنسي نفسه، فقبل أيام قليلة ناقشت قناة “فرانس 24” اقتراح القانون الذي أقره مجلس النواب الفرنسي والقاضي بتجريم نشر صور رجال الأمن خلال أدائهم لعملهم.

وتناولت القناة ما تم تداوله في الأوساط الصحافية الفرنسية والجمعيات الحقوقية، وإعلان الاتحاد الأوروبي ضرورة تقيد جميع أعضائه بالتزاماتهم بشأن حرية التعبير والإعلام.

وحتى وكالة الأناضول التركية نقلت بيان البرلمان الأوروبي الذي أعرب فيه عن قلقه المتزايد تجاه تدهور حرية الصحافة والإعلام في دول الاتحاد، داعيا إلى ضرورة مكافحة الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين في العالم.

وفي قرار تم تبنيه بأغلبية 553 صوتًا مقابل 54 وامتناع 89 عن التصويت، دان أعضاء البرلمان الأوروبي أعمال العنف والمضايقات والضغوط التي يواجهها الصحافيون.

وأشار البرلمان إلى “محاولات حكومات بعض الدول الأعضاء لإسكات وسائل الإعلام الناقدة والمستقلة وتقويض حرية وسائل الإعلام والتعددية”، موضحا أن “أعضاء البرلمان الأوروبي يولون اهتماما كبيرا لحالة وسائل الإعلام العامة في بعض دول الاتحاد الأوروبي”، حيث أصبحت “نموذجا للدعاية الموالية للحكومة”.

وبشكل لا يلتقي مع حرية الصحافة على الطريقة التركية، اعتبر البرلمانيون الأوروبيون أن “حرية وسائل الإعلام والتعددية، واستقلال وسلامة الصحافيين، مكونات أساسية للحق في حرية التعبير والتزويد بالمعلومات، التي لا غنى عنها للممارسة الديمقراطية داخل دول الاتحاد الأوروبي”.

وقالت مقررة البرلمان ماجدالينا أداموفيتش عن حزب الشعب الأوروبي “نشهد اليوم تدمير الديمقراطية والاستيلاء على السلطة بالأكاذيب”، مضيفة “لا حرية دون استقلالية الإعلام، ولا ديمقراطية دون تعددية إعلامية”، ودعت في الوقت نفسه إلى وجوب “أن تطمح وسائل الإعلام إلى إظهار عين الحقيقة لا ممارسة الكذب”.

وأضافت “يجب أن يكون الإعلام في خدمة الناخبين وليس من هم في السلطة، يجب أن يساعد الإعلاميون في عملية مراقبة أداء السلطة. كما ينبغي عليهم أن يحموا الديمقراطية”.