أردوغان وصناعة الأعداء

أنقرة - احترف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لعبة صناعة الأعداء في الداخل والخارج، وكأنّه يجد وقوداً لاستمراريته وحزبه في الحكم من خلال تغذية العداوات، وتذكية الأحقاد، ليجمع من حوله المتطرّفين، ويقوم باستخدامهم لتحقيق مآربه الشخصية والحزبية على حساب مصلحة تركيا وشعبها.

ووضعت سلوكيات أردوغان العدوانية وأساليبه في تحريف أقوال القادة والرؤساء، وإطلاق تصريحات غير دقيقة عن لقاءاته معهم، في موقف محرج، وأظهرته بصورة الرئيس غير المسؤول عن أقواله، والمتقوّل على القادة الآخرين، بحيث يحرجهم أمام أصدقائهم وشعوبهم، وللإيحاء أنّهم يمارسون التضليل، أو يقولون شيئاً في الاجتماعات ثمّ ينكرونه علانية لاحقاً..

بعد أن زار أردوغان تونس في ديسمبر الماضي، أعلن أنّ تركيا وتونس اتفقتا على دعم حكومة الوفاق الوطني، ما دفع الرئاسة التونسية إلى تفنيد مزاعمه، وإصدار بيان تظهر فيه موقفها، وتدحض ما أعلنه بخصوص انضمام تونس إلى الحلف التركي في ليبيا، وقالت الرئاسة التونسية: "تؤكد رئاسة الجمهورية أن تونس لن تقبل بأن تكون عضوا في أي تحالف أو اصطفاف على الإطلاق، ولن تقبل أبداً بأن يكون أي شبر من ترابها إلا تحت السيادة التونسية وحدها".

وبعد أن التقى أردوغان الرئيسَ الجزائري عبد المجيد تبون الأحد الماضي في العاصمة الجزائرية، في مستهل جولة أفريقية قادته إلى غامبيا والسنغال، كشف لوسائل إعلام تركية أن نظيره الجزائري أكد له أن فرنسا قتلت أكثر من 5 ملايين جزائري خلال احتلالها لبلاده، وأنه طلب من تبون وثائق تتعلق بجرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر. وأضاف أردوغان وهو على متن الطائرة الرئاسية "الرئيس تبون ينظر إلى فرنسا بطريقة مختلفة تماما عمن كان قبله"، ما دفع وزارة الخارجية الجزائرية إلى تفنيد أقواله، والتشديد "على أن المسائل المعقدة المتعلقة بالذاكرة الوطنية التي لها قدسية خاصة عند الشعب الجزائري، هي مسائل جد حساسة، لا تساهم مثل هذه التصريحات في الجهود التي تبذلها الجزائر وفرنسا لحلها".

ويواصل أردوغان استعداءه للمصريين، من خلال إصراره على تنظيم الإخوان المسلمين هناك، وتلويحه الدائم بيده، برسم الشعار الذي يعرف بشعار رابعة، والذي يرمز من خلاله إلى معاداته للحكومة المصرية، والانتصار لتنظيم الإخوان بحجة المظلومية التي يتعرّض لها..

ومؤخّراً بحجّة الدفاع عن القضية الفلسطينية التي يوصف بأنّها مادّة للمتاجرة بيد أردوغان، وجّه أردوغان انتقادات لعدد من الدول العربية والإسلامية، محوراً الوقائع، ومستغلأً التعاطف مع القضية الفلسطينية والإدانات الواسعة لخطّة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلام في الشرق الأوسط، وصفقة القرن التي أعلنها، وقال في هذا السياق: "أحزن عند النظر إلى مواقف الدول الإسلامية، وعلى رأسها السعودية، حيث لم يصدر أي تصريح منها (رافض لصفقة القرن)، فمتى سنسمع صوتكم؟"، ومتجاهلاً بذلك المواقف الرسمية التي أعلنتها السعودية وغيرها من الدول العربية الرافضة لصفقة ترامب.

كما أنّ الرئيس التركي يستمرّ في إطلاق تصريحات توصف بأنها غير مسؤولة، بذريعة انتقاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي وصف في نوفمبر الماضي حلف الناتو بأنه في حالة موت سريري، وهاجمه أردوغان على خلفية انتقاده التدخل العسكري التركي في سوريا، وقال "أتوجه إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.. عليك قبل أي شيء أن تفحص موتك الدماغي أنت نفسك. لا تناسب تصريحات من هذا النوع إلا أمثالك الذين في حالة موت دماغي".

أردوغان حرّف أقوال تبون
أردوغان حرّف أقوال تبون

وقبل ذلك استعدى أردوغان السوريين منذ سنوات، وزعم وقوفه إلى جانب الشعب السوري في الثورة ضد النظام السوريّ سنة 2011، ثمّ استغلّ الأمر لتدمير سوريا أرضاً وشعباً، فتح الحدود للإرهابيين والجهاديين القادمين للقتال في سوريا، ودعم الميليشيات الجهادية كجبهة النصرة؛ التي تعدّ فرعاً لتنظيمم القاعدة الإرهابيّ في سوريا، وغيرها من التنظيمات المتشدّدة التي لعبت دوراً في تشريد مئات الألوف من السوريين، وتدمير مدنهم في حرب أهلية ما تزال مستمرّة منذ حوالي تسع سنوات..

أكمل أردوغان عدوانه على سوريا، واستعداءه لمختلف فئات الشعب السوري، ولم يكتفِ باستخدام أدواته من الميليشيات المسلحة، بل تدخّل بشكل عسكري مباشر وشنّ عدّة هجمات عسكرية لغزو أراضٍ سورية، وضمّها إلى سيطرته، ووضع أتباع موالين له فيها، ليضمن أوراقاً تفاوضية في الميدان وعلى الطاولة.

العداء الدائم المتجدّد للكرد دفع أردوغان لتوظيف أدواته من الجهاديين والإرهابيين لمحاربة مشروع الإدارة الذاتية الكردية، بذريعة محاربة حزب العمال الكردستاني الذي يخوض تمرّداً مسلّحاً منذ قرابة أكثر من خمسة وثلاثين عاماً ضد الحكومة التركية، واستعمل أذرعه الجهادية لاجتياح مناطق الأكراد في سوريا، كالعدوان العسكري الذي سمّاه بعملية غصن الزيتون منذ أكثر من سنتين، واحتل منطقة عفرين وسلّمها للمتطرفين ينكلوا بالكرد فيها، ويقوموا بتهجيرهم والسطو على أراضيهم وممتلكاتهم.. ثمّ العملية العسكرية التي أطلق عليها نبع السلام، والتي أطلقها في أكتوبر الماضي، ودخل إلى عمق الأراضي السورية بين مدينتي تل أبيض ورأس العين.

ولم يكتفِ أردوغان باستعداء السوريين، كرداً وعرباً، بل قام باستعمال أدواته من الجهاديين والمسلّحين والفصائل السورية المتشدّدة التي دعمها، من أجل تمرير مصالحه الشخصية والحزبية في المنطقة، فجعلهم مرتزقة ونقل الألوف منهم للقتال في ليبيا إلى جانب الميليشيات المسلّحة الداعمة لتنظيم الإخوان المسلمين هناك، وتحت قناع حكومة الوفاق الليبية.

ومن خلال تدخّله العسكري في ليبيا، استعدى الليبيين، كما استعدى العرب الذي كشفوا مجدّداً أطماعه التي تفضح تعطشه للسيطرة على الثروات العربية، من أجل ضخّ الحياة في اقتصاد بلاده المنهار منذ أكثر من سنتين، وعلى أمل انتشال نفسه من الأزمات التي يوقع تركيا بها، من خلال سياساته التي توصف بالفاشلة.

ويقوم أردوغان بتحويل البحر الأبيض المتوسط إلى منطقة للتأزيم والتأجيج والصراع، يتعدّى على حقوق القبارصة اليونانيين، وعلى حقوق اليونانيين، والمصريين والليبيين في المتوسط، يرسل سفن التنقيب، والسفن الحربية للمتوسط، بحجّة حماية مصالح بلاده اليومية وحقوقها في الثروات البحرية، لكنّه يوجّه الاتهامات شرقاً وغرباً، الإساءة للدول المشاطئة للمتوسط، واستعدائها بطريقة توصف بالعدوانية من قبل منتقديه.

يشير معارضون أتراك إلى أنّ أساليب أردوغان في صناعة الأعداء تثير حفيظة الأتراك الذين يجدون فيها زرعاً لبذور الشقاق بينهم وبين الشعوب المحيطة بهم في الجوار الإقليمي، وتعكير صفو علاقاتهم مع غيرهم من الشعوب العربية والأوروبية، والتي تعكس بدورها تخلّياً عن روح المسؤولية التي يجب أن يتحلّى بها، وانقلاباً فاضحاً منه على ما عرف بسياسة "صفر مشاكل" مع الدول الأخرى التي زعم منذ سنوات أنّه سيقوم بتطبيقها في تركيا.