أردوغان.. كيف تُغرق بلداً؟

ليست هناك أي وسيلة حقاً لمنع الكوارث الطبيعية لأنها، كما يشير الاسم، تأتي من الطبيعة. فقد كانت هناك كوارث طبيعية على الأرض قبل أن يسكنها أي بشر. لقد حاول البشر إيجاد طرق للبقاء على قيد الحياة وسط هذه الكوارث طوال فترة سكننا لهذا الكوكب.

ومع ذلك، حتى في هذه الأيام، تواجه المدن صعوبات جمة في مواجهة عاصفة عنيفة أو تساقط الثلوج بكثافة. يتم إغلاق الطرق، مما يجعل من الصعب السفر إلى أماكن كثيرة كالمعتاد. ولكن في البلدان التي تقدر حياة البشر، لا تقع خسائر كثيرة في الأرواح في أي كارثة طبيعية.

واجهت تركيا بعض الكوارث في الأسبوعين الماضيين. أولاً، ضرب زلزال قوي مقاطعتي ألازيغ وملطية في شرق البلاد. لقي 39 شخصاً حفتهم في حين أُصيب الآلاف، وبات الكثير من المباني غير صالح للسكن. بعد ذلك، في مقاطعة فان بشرق البلاد، حُوصرت حافلة صغيرة مليئة بالركاب تحت انهيار جليدي. وقد تم دفن رجال الإنقاذ الذين كانوا يحاولون الوصول إلى الضحايا تحت انهيار ثانٍ، مما أسفر عن مقتل 41 شخصاً.

وفي حين كان الناس لا يزالون يتعافون من صدمة هاتين الكارثتين الطبيعيتين، لقي ثلاثة أشخاص حتفهم في تحطم طائرة في مطار صبيحة كوكجن الدولي على الجانب الآسيوي من إسطنبول.

دعونا نتناول هذه الكوارث بالترتيب. مات الناس في ألازيغ وملطية لأن هذه المناطق تقع على خطوط الصدع، لكن المباني ليست قوية بما يكفي لتحمل الزلازل. يعرف الناس أن مبانيهم غير آمنة، لكنهم لا يستطيعون الانتقال إلى أي مكان آخر. قد يصف الرئيس رجب طيب أردوغان هذه الوفيات بأنها "قضاء وقدر"، لكن الحقيقة مختلفة بعض الشيء. إقامة أبنية غير آمنة في منطقة زلازل معروفة لا يمكن أن نقول إنها قضاء وقدر.

ليس من الصواب التمسك بالإيمان "بالقضاء والقدر" من أجل عدم الكشف عن المسؤول عن بناء وفحص المباني غير الصالحة أو المسؤول الفعلي عن هذه الوفيات. فقد بات من الواضح أنهم يحاولون حماية شخص ما عندما صوت حزب العدالة والتنمية الحاكم في البرلمان التركي وشركاؤه في الائتلاف، حزب الحركة القومية، على عرقلة اقتراح بتشكيل لجنة للتحقيق في الزلزال.

من المخيف التفكير فيما قد يحدث إذا وقع زلزال في مدينة مكتظة بالسكان مثل إسطنبول عندما نرى ما يحدث في المناطق الأقل كثافة سكانية مثل ألازيغ.

فيما يتعلق بالانهيارات الجليدية في فان، فيمكننا أن نرى أدلة على أن المدن الواقعة إلى الشرق من أنقرة لم تتلق أي استثمار أو تمويل من أجل التنمية منذ الأيام الأولى لتركيا الحديثة. وعلى مر السنين، شهدنا حوادث بعد تساقط الثلوج بكثافة، حيث حاولت فرق الإنقاذ فتح الطرق القروية وانتشال الناس من الانهيارات الجليدية. ليس هذا في واقع الأمر نتيجة للقضاء والقدر، بل لأن هذه المناطق لا تتلقى التمويل والتدريب اللازمين.

ويُظهر ما حدث لفريق الإنقاذ بعد الانهيار الثاني على وجه الخصوص مرة أخرى مدى الافتقار إلى إدارة الكوارث في تركيا. الأعمال المتعلقة بالزلازل ليست فقط للتنبؤ بموعد وقوة الزلزال، ولكن لوضع خطة عمل في حالة حدوث هزة أقوى في البلاد. الآن، من غير المعروف من المسؤول عن ماذا ومتى، ولم يتم وضع أي خطط.

حادث الطائرة في مطار صبيحة كوكجن هو أحدث حلقة في سلسلة من الكوارث الناجمة عن الصدام بين العلم والتفكير القدري. وقتلت الكارثة ثلاثة أشخاص وأصابت 179 آخرين. كان هذا الحادث المؤسف نتيجة لأخطاء في القرار وعدم كفاية الاستثمار في البنية التحتية والجهل الجامح بالمعرفة الفنية.

من ناحية أخرى، لم يتم عرض استخدام مطار أتاتورك، الذي يستخدمه الآن كبار المسؤولين فحسب، في هبوط الرحلات الجوية التجارية بعد تحطم الطائرة في مطار صبيحة كوكجن. وقد كانت هذه بمثابة دعوة لحادث آخر. ولحسن الحظ، لم يقع حادث آخر.

لا تختلف هذه الحوادث الثلاثة عن بعضها البعض. إنها نتيجة لقادة الدولة الذين يضعون الدين وجني الأرباح قبل المعرفة والعلم.

من هذا المنظور، بدأت تركيا تبدو بشكل متزايد مثل غوثام، أحد أحلك الأماكن في عالم الكتاب الهزلي. لقد كانت مدينة غوثام ذات يوم عاصمة رائعة، ولكن بمرور الوقت، بدأ الفساد والرشوة في السيطرة وسقطت المدينة في نهاية المطاف في أيدي أناس يملكون سلطة المال ويضربون بالقانون عرض الحائط. حتى سوبرمان لم يكن لديه القدرة على إنقاذ مثل هذا المكان المتدهور، وما يميز الرجل الوطواط أنه هو الوحيد الذي يمكنه محاربة هذا الفساد. يحاول الرجل الوطواط، أحد أعظم المحققين في العالم، استعادة الأيام الخوالي الرائعة للمدينة فحسب.

يمثل هذا المكان الفاسد قطعة من الجنة بالنسبة للمجرمين. لهذا السبب يحاول الكثير من الأشرار السيطرة على غوثام. وفي بعض الأحيان يواجهون بعضهم البعض وفي أحيان أخرى يعملون معاً. عندما يحدث هذا، يذهب المتميزون والمتعلمون في غوثام إلى مدن أخرى.

اليوم، اتخذت تركيا خطوة أخرى نحو أن تكون مثل غوثام. مثلما لا يمكن التحدث عن سيادة القانون، تُظهر هذه الكوارث أنه لا أحد يهتم بالسلامة أو الصحة العامة. وعلى الرغم من أن بعض الجماعات تتهم بعضها البعض بمحاولة تخريب البلاد، إلا أنها قادرة على نسيان الماضي بأسره عندما يتعلق الأمر بمصالحها الخاصة.

وفي ظل مغادرة الشباب المدربين والمتعلمين تركيا كل يوم، بعد عشر سنوات من الآن، يمكن استخدام تركيا كمثال في دراسة عن "كيف تُغرق بلداً".

غوثام مدينة خيالية، وعلى الأقل لديها الرجل الوطواط القادر على تسوية الأمور. تركيا بلد حقيقي، لكنها مع الأسف لا تملك أبطالاً خارقين لإنقاذها.

لكن هل يستحيل تغيير كل هذا؟ لا من الممكن تغيير كل هذا لكن حجم هذا الدمار هائل حالياً وعلى نطاق واسع بحيث أصبح من غير المرجح نهوض تركيا إلى مستوى معين خلال عدة عقود. إننا نعيش الآن فترة دمار بلا نهاية، ويستمر النهب بسرعة فائقة.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/natural-disasters/how-sink-country
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.