أنقرة تروّج تمدّدها في آسيا الوسطى كفرصة للتقرب من بايدن

هل تنجح تركيا بتسويق دورها في آسيا الوسطى كنقطة قوة تعزز نفوذها وجانبها التفاوضي مع إدارة الرئيس بايدن؟ إلى أي حد يمكن أن تقنع واشنطن بأنّ الدور الذي كانت تأمل أن تلعبه تركيا في آسيا الوسطى بعد سقوط الاتحاد السوفييتي أصبح حقيقة واقعة وعليها الاستفادة منه وتوظيفه ضدّ روسيا؟ هل تغيّرت استراتيجيات الولايات المتحدة في العقود الثلاثة الماضية أم أنّها ما تزال متمسكة بالدور التركي المفترض؟ وإلى أيّ حدّ تستجيب إدارة بايدن لمحاولات أنقرة استغلالها؟

في مقال له في صحيفة ناشيونال إنتريست تطرق الكاتب والمحلل التركي يوسف ارم إلى سياسة أنقرة في آسيا الوسطى، وتمدّدها في الدول التي تجمعها معها روابط لغوية وقومية مشتركة، وحاول أن يؤكّد أنّها فرصة تاريخية للولايات المتّحدة أن تستغلّ النفوذ التركي لمحاصرة روسيا والصين في تلك المنطقة.

أشار يوسف إرم إلى أنّه بينما كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يشاهد بفخر الطائرة الأولى بدون طيار في بلاده، بايكار تي بي 2، وهي تظهر بالكامل في عرض النصر في باكو مع نظيره الأذربيجاني إلهام علييف، يتحدث عن إنجازات أذربيجان في آسيا الوسطى بلغة تركية مشتركة.

وقال المحلل المقرب من الحكومة التركية إنّه "بعد ثلاثين عامًا من الاحتلال الأرميني المدعوم من روسيا والعديد من المحاولات الفاشلة من قبل المجتمع الدولي للتوصل إلى حل، أصبحت فكرة تحرير ناغورني قره باغ التي لم يكن من الممكن تصورها يومًا ما حقيقة واقعة." وشدّد على أنّ الدعم الدبلوماسي والعسكري لتركيا لعب دورًا رئيساً في الحلقة الأخيرة من هذا الصراع المجمد، والذي انتهى بوقف إطلاق النار بوساطة روسية. بينما كانت أذربيجان هي الرابح الأكبر، منحت النتيجة تركيا وجودًا عسكريًا في القوقاز وممرًا مرغوبًا عبر ناخيتشيفان سيربط تركيا مباشرة بأذربيجان وجمهوريات آسيا الوسطى."

وتحدّث الكاتب عما وصفه بالصحوة التركية، وقال إنّه لطالما كانت الرغبة في إقامة روابط قوية ووحدة بين تركيا وجمهوريات آسيا الوسطى؛ أذربيجان وكازاخستان وقيرغيزستان وأوزبكستان وتركمانستان، هدفًا استراتيجيًا لأنقرة. على الرغم من الروابط الثقافية العميقة واللغة والأصل التركي المشترك، إلا أن قرنًا من الهيمنة الروسية خلال الحقبة السوفيتية منع العلاقات من التقدم.

وأضاف إنّه بعد سقوط الاتحاد السوفييتي في عام 1991، كان هناك توقع في واشنطن بأن أنقرة يمكن أن تلعب دورًا في مواجهة الروس في مناطقهم السابقة. ومع ذلك، كانت قبضة موسكو على جمهورياتها السابقة لا تزال كبيرة للغاية، وكانت تركيا تتعامل مع مجموعة من القضايا المحلية من المشكلات الاقتصادية إلى مكافحة الإرهاب.

ولفت أنّه الآن بعد ثلاثة عقود من سقوط ما وصفه بالستار الحديدي، "تسعى هذه الجمهوريات الفتية إلى التخلص من جلدها السوفييتي أثناء تشكيلها للهويات الوطنية، وإنشاء استقلال ذاتي استراتيجي، واتخاذ خطوات لمزيد من الديمقراطية، وفتح اقتصاداتها، وتحديث بنيتها التحتية. كان خط أنابيب باكو - تبيليسي - جيهان خطوة أولى مهمة في توفير الغاز الأذربيجاني منفذًا للأسواق الأوروبية ومنح باكو مزيدًا من الاستقلال الاقتصادي. قد يسعى النفط الكازاخستاني والغاز التركماني قريبًا إلى إيجاد طرق عبر تركيا للوصول إلى أوروبا. كان تشكيل منظمة حكومية دولية في عام 2009، المجلس التركي، لحظة فاصلة في العلاقات بين هذه المجموعة حيث عبّر قادتهم عن الإرادة السياسية لوضع الأساس للتعاون ككتلة بدلاً من التعاون الثنائي. في المحادثات مع أعضاء المجلس التركي، تم التعبير بوضوح عن رؤية لإنشاء اتحاد جمركي بدون تأشيرة للجغرافيا بحلول عام 2040."

ونوّه الكاتب إلى أنّ نجاح تركيا في دعم شركائها في سوريا وليبيا وناغورنو قره باغ لاقى صدى بين قادة آسيا الوسطى، الذين ينظرون الآن إلى أنقرة كخيار بديل لموسكو. وشدّد على أنّ هذا الفهم سيضع تركيا كلاعب مؤثر في منطقة يبلغ عدد سكانها ما يقرب من 200 مليون نسمة وناتج محلي إجمالي مشترك يقترب من تريليوني دولار. يؤكد هذا الاتجاه المتزايد التحول المخطط له من السيريلية إلى الأبجدية اللاتينية في كازاخستان وأوزبكستان، والاهتمام بالحصول على طائرات تركية بدون طيار، والمفاوضات بشأن خطوط الأنابيب المستقبلية، وزيادة التجارة الثنائية مع تركيا. سيكون تعزيز سيادة واستقلال دول المنطقة وتحديث جيوشها من أجل تحسين التشغيل البيني والأمن الإقليمي أولوية لتركيا على مدى العقد المقبل. وقال إنّه يبدو أن جمهوريات آسيا الوسطى حريصة على نقل العلاقات مع أنقرة إلى الخطوة التالية حيث من المقرر عقد قمتين للزعماء في مارس وأكتوبر من هذا العام.

وبإشارة منه إلى ما وصفه بمسابقة القوة بين روسيا والصين تناول الكاتب يوسف إرم العلاقات في المنطقة وقال إنّه في حين أن الكثير من آسيا الوسطى هي منطقة ما بعد الاتحاد السوفييتي وكانت تحت احتكار موسكو، فقد شهد العقد الماضي اندفاع بكين إلى هذه الجغرافيا من خلال مبادرة الحزام والطريق. يعد أحد خطوط النقل الأكثر استراتيجية في المنطقة، والمعروف باسم الممر الأوسط العابر لبحر قزوين بين الشرق والغرب، هو أقصر وأسرع رابط للأسواق الأوروبية. الطريق يتجاوز روسيا ويمر عبر كازاخستان وأذربيجان وتركيا. ستشهد السنوات المقبلة مزيدًا من الاستثمار والمشاركة الصينية حيث تسعى بكين إلى تأمين شرايين إمبراطوريتها اللوجستية عبر المنطقة.

وأكّد الكاتب أنّ الصين بدأت بالفعل في مغازلة تركيا وتريد سحب القوة الإقليمية إلى مدارها بعيدًا عن الولايات المتحدة. سوف ترغب روسيا في مواجهة النفوذ الصيني وإعادة تأسيس نفسها كلاعب رئيسي في المنطقة. كان هناك اتجاه لزعزعة الاستقرار في منطقة ما بعد الاتحاد السوفييتي من جورجيا وشبه جزيرة القرم إلى دونباس وقره باغ التي تمكنت موسكو من جني فوائدها الجيوسياسية وتوسيع نطاق وجودها العسكري فيها.

أنقرة تعزّز نفوذها في آسيا الوسطى
أنقرة تعزّز نفوذها في آسيا الوسطى

ووصف يوسف إرم آسيا الوسطى بأنّها مسرح به العديد من النزاعات المجمدة التي يمكن للكرملين إعادة إشعالها واستغلالها. وقال إذا كان الماضي يمثل أي مؤشر للمستقبل، فستواصل موسكو هذا السلوك لإبقاء قبضتها على المنطقة. ستوفر المنافسة على القوة بين روسيا والصين فرصًا لدول آسيا الوسطى، لكن لعبة شد الحبل ستخلق أيضًا ضغوطًا والعديد من التحديات أيضًا. ومن المحتمل أن تكون هذه سيناريوهات مستقبلية حيث ستجد دول المنطقة أنه من المفيد للغاية العمل في انسجام تام.

وبالتأكيد على النفوذ التركي قال يوسف إرم: سيوفر نفوذ تركيا المتزايد في هذه المنطقة والقنوات الدبلوماسية مع روسيا والصين توازنًا لمنافسة القوة هذه وحليفًا مهمًا وجديرًا بالثقة للتوسط مع القوى العظمى في أوقات التصعيد. في حين أن أنقرة قد تثبت فعاليتها في توفير الاستقرار للمنطقة، فإن غياب أحد الفاعلين الرئيسيين أمر صارخ.

أما بالحديث عن مشاركة الولايات المتحدة في آسيا الوسطى فقال يوسف إرم إنّ آسيا الوسطى هي منطقة غير مستغلة نسبيًا بالنسبة للولايات المتحدة. أدى قرن من الحكم السوفيتي إلى جعل الدبلوماسية مستحيلة وحافظ الكرملين على قبضته القوية على جمهورياته السابقة أثناء انتقالها إلى الحكم الذاتي. لقد خلق النفوذ المتزايد لتركيا، وهي دولة عضو في الناتو، فرصة سانحة لواشنطن للدخول في حوار هادف مع منطقة ذات قيمة استراتيجية عالية وآفاق اقتصادية لا حدود لها.

وأضاف المحلل التركي: من منظور جغرافي، تقع آسيا الوسطى بين أكبر خصمين لأميركا وهما روسيا والصين، وأنّ أي تأثير من قبل واشنطن سيكون على حساب موسكو أو بكين. بينما كانت أميركا توجّه اهتمامها نحو آسيا في محاولة لاحتواء نفوذ الصين، ركزت هذه السياسة بشكل أساسي على المشاركة في المحيط الهادئ. وأردف: إن إسقاط النفوذ الأميركي في آسيا الوسطى من شأنه أن يخلق جبهة منافسة غربية غير متوقعة لاستكمال استراتيجية واشنطن لمواجهة الصين.

ولفت الكاتب كذلك إلى أنّ البحر الأسود يعدّ مجالًا مهمًا آخر للتعاون المستقبلي. إن جلب أذربيجان إلى حظيرة عبر الأطلسي كشريك مفضل سيكون بمثابة مضاعف قوة لقدرات الناتو بالقرب من الشواطئ الروسية. توفر المنطقة الغنية بالموارد أيضًا العديد من الفرص للشركات الأميركية حيث تسعى دول آسيا الوسطى إلى تحسين البنية التحتية وتحديث جيوشها وتطوير أصول الطاقة. بعد مئة عام من الحكم الشيوعي، ستجد القوة الناعمة الأميركية سكانًا يتوقون إلى اعتناق القيم الغربية.

أما عن التعاون الأميركي التركي المحتمل قال يوسف إرم إنّ آسيا الوسطى هي منطقة تتوافق فيها المصالح الأميركية والتركية. يتوسع نفوذ تركيا بسرعة في المنطقة، لكن أنقرة لا تزال تخطو بحذر لأن روسيا هي الفاعل المهيمن في أراضيها السابقة. وأكّد أنّ من شأن الدعم الأميركي أن يمنح تركيا مزيدًا من الثقة لتحقيق تقدم أعمق في هذه الجغرافيا. يمكن أن تصبح مبادرة أنقرة التركية وأهدافها الاستراتيجية للمنطقة جزءًا من استراتيجية الولايات المتحدة الأوسع وأن تكون بمثابة عامل مضاعف للتأثير. جهود تركيا لتعزيز وحدة آسيا الوسطى وخلق كتلة تركية في المنطقة تحتاج إلى دراسة عن كثب من قبل واشنطن.

وذكر أنّه إذا كانت أميركا تريد نفوذًا ووجودًا ذا مغزى في المنطقة، فيمكنها الاستفادة من المساحة الدبلوماسية التي أنشأتها أنقرة. في حين أن تركيا لديها مجموعة من المصالح المشتركة مع روسيا والصين، فإن رغبتها في الحفاظ على التوازن في هذه المنطقة وتحقيق التناسق في هذه العلاقات الثنائية يمكن أن تكون المكان المناسب الذي تستفيد منه الولايات المتحدة لإنشاء غرفة عمليات لنفسها في المنطقة. ويمكن أن يكون للتعاون بين الولايات المتحدة وتركيا أيضًا تأثير سلبي إيجابي على العلاقات الثنائية بين الحليفين في الناتو، والتي هي عند نقطة منخفضة.

وأشار يوسف أرم إلى أنّه بدلاً من المزيد من القضايا الخلافية مثل شراء تركيا لنظام الدفاع الصاروخي الروسي إس-400 أو دعم الولايات المتحدة لوحدات حماية الشعب الكردية يمكن أن يكون التعاون في آسيا الوسطى ملفًا جديدًا للمناقشة في الاجتماع الأول بين الرئيس الأميركي جو بايدن ونظيره التركي رجب طيب أردوغان.

وختم المحلل المقيم في إسطنبول مقاله بالقول: الدور الذي كانت تأمل أميركا أن تلعبه تركيا في آسيا الوسطى بعد سقوط الاتحاد السوفييتي أصبح حقيقة واقعة. هل ستستفيد واشنطن من هذه الديناميكية المتغيرة أم أنها ستصبح فرصة أخرى ضائعة؟