اليونان والموقف من الجارة غير الصديقة

استؤنفت مؤخرا المحادثات الاستكشافية بين اليونان وتركيا والتي كانت منتظرة على نطاق واسع على المستويين الإقليمي والدولي، واتفق الجانبان على الاجتماع مرة أخرى.

على الرغم من حقيقة أن الدبلوماسيين وافقوا على مواصلة المحادثات في أثينا في المستقبل القريب، فمن غير المرجح أن تؤتي تلك المحادثات ثمارها من وجهة نظر للجانب اليوناني.

بهذه المقدمة يبدأ الباحث فيليب جريسوبولوس مقاله في صحيفة غريس ريبوتر قائلا أن قصة هذه المحادثات متشعبة، اذ كانت قد بدأت قبل 19 عاما ثم تم تجميدها لمدة خمس سنوات بعد أن توقفت في عام 2016. وكانت هذه النسخة الأخيرة من المحادثات الدبلوماسية هي الجولة الـ 61.

وبحسب الكاتب، كانت المحادثات مفيدة بالنسبة لتركيا - لمجرد أنها أجلت إمكانية فرض عقوبات من جانب الاتحاد الأوروبي على أنقرة.

اجتمع قادة الاتحاد الأوروبي في ديسمبر من عام 2020 وناقشوا سلسلة التوغلات والاستفزازات غير القانونية التي تقوم بها تركيا في شرق البحر المتوسط ؛ وتم توجيه تحذير مباشر لأنقرة من إمكانية فرض عقوبات ما لم تتوقف الأعمال.

ومع ذلك، واصلت تركيا انتهاكها للمجال الجوي والمياه الإقليمية اليونانية دون قيود - وفي الوقت نفسه دعت اليونان لاستئناف المحادثات الاستكشافية.

ويقول الكاتب، وافقت اليونان على الجلوس إلى الطاولة، ولكن فقط لمناقشة ترسيم حدود المناطق البحرية، مثل المناطق الاقتصادية الخالصة، والجروف القارية والمياه الإقليمية.

اليونان

لجأت اليونان إلى عقود تسليحية ضخمة مع فرنسا لتطوير قدراتها الدفاعية في وجه تركيا

من ناحية أخرى، أرادت تركيا أن تطرح على طاولة المفاوضات قضايا مثل نزع السلاح من الجزر اليونانية في بحر إيجة والحقوق السيادية.

تقول اليونان إن مطالب تركيا تتعارض مع قانون البحار الدولي والاتفاقيات الدولية، بما في ذلك معاهدة لوزان.

صرح الجانب اليوناني مرارا وتكرارا بأن أنقرة لا يمكنها تقديم مطالبها - التي يعتبرها غير معقولة - أمام محكمة العدل الدولية.

وينتقد الكاتب الدور الألماني القائم على مصلحة مباشرة مع تركيا، اذ يقول أن ألمانيا هي الدولة التي تحركت باتجاه استئناف المحادثات بين البلدين، حيث لعبت المستشارة أنجيلا ميركل دورا مهما داخل الاتحاد الأوروبي. وزار وزير الخارجية الألماني هايكو ماس أنقرة في يناير للتأكد من جدية تركيا في المشاركة في المباحثات.

ويضيف الكاتب، تجدر الإشارة إلى أن ألمانيا عارضت بشدة أي عقوبات ضد تركيا منذ بداية سلسلة الأعمال غير القانونية الأخيرة في البلاد في شرق البحر المتوسط.

ويفسر الكاتب ما يسميه الإنحياز الالماني لتركيا قائلا، يبدو أن تحيز ميركل ينبع من حقيقة أن ألمانيا هي الشريك التجاري الأهم لتركيا، حيث تمثل الدولة الوجهة الأولى للصادرات التركية.

بلغ إجمالي التجارة بين البلدين حوالي 35.4 مليار يورو في عام 2019 ، مع ميلان الميزان التجاري لصالح ألمانيا بما يقرب من 4 مليارات، وفقًا لصحيفة نيويوروبيان.

علاوة على ذلك ، يبلغ عدد الأتراك الذين يعيشون في ألمانيا أكثر من ثلاثة ملايين من الجيل الثاني والثالث من الأتراك، وهم بطبيعة الحال جميعهم ناخبون محتملون لأي حزب سياسي.

ويستنتج الكاتب قائلا، لذلك أصبح من الواضح أن المحادثات الاستكشافية تجري لصالح تركيا وحدها، لكي يكون لدى أنقرة حجة لمواصلة خططها التوسعية.

ويمضي الكاتب الى القول، يعتقد بعض المحللين اليونانيين أن ميركل ستطلب على الأرجح من الرئيس الأمريكي أن يكون متساهلاً مع تركيا، بعد تعليقاته على شراء أنقرة صواريخ إس -400 الروسية وتحويل آيا صوفيا، إلى مسجد.

ويوجه الكاتب انتقادادت الى الرئيس الأميركية السابق دونالد ترامب والى أمين عام حلف الناتو، قائلا، وقبل ذلك وبالنظر إلى أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب كانت لديه مصالح مع تركيا، لهذا كان أردوغان كان راضيا لسنوات عديدة على الوضع السائد الذي اتاح له المضي في سياساته المعروفة.

وكان هذا واضحا استقواء أردوغان بسبب الموقف الذي اتخذه الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ، الذي فهمت مواقفه على انه يقف علانية إلى جانب تركيا وهو ما تاكد في عدة مناسبات.اليونان

لا تجد اليونان في المباحثات الإستكشافية ما يصب في مصلحتها

لكن الأمر لا يبتعد عن تفاؤل يوناني بقدوم الرئيس الجديد جو بايدن، يقول الكاتب، على عكس ترامب، عبّر الرئيس بايدن في كثير من الأحيان عن مشاعره المؤيدة لليونان وانتقد الأعمال العدوانية لتركيا في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​وتغيير وضع آيا صوفيا.

لذلك، يبقى أن نرى ما إذا كانت اليونان سيكون لها حليف أميركي ضد التوسع التركي وخاصة بعد أن ظل الاتحاد الأوروبي محايدا، إن لم يكن منحازا لأهواء أردوغان، على حساب دولتين عضوين هما اليونان وقبرص.

بالنسبة لإمكانية فرض عقوبات من جانب الاتحاد الأوروبي على تركيا - وهي أفضل أداة دبلوماسية متاحة - فقد حان الوقت للحكومة اليونانية لمواجهة الواقع والبحث عن طرق أخرى للتعامل مع جارتها غير الصديقة.

 اليونان كانت  طالبت على لسان مسؤوليها، الاتحاد الأوروبي باتخاذ إجراء بشأن سلوك تركيا "المشين" وأن أنقرة تقاعست عن الرد على بوادر حسن النية التي أبداها الاتحاد الأوروبي.

ولم تكتف بذلك بل عززت قدراتها الدفاعية والتسليحية في شتى المجالات ومنها اقتناء اسراب من الطائرات الفرنسية المقاتلة المتطورة.

اذ تناقلت وكالات الانباء عن قرب توجّه وزيرة الجيوش الفرنسيّة فلورنس بارلي إلى أثينا لتوقيع عقد لبيع 18 طائرة مقاتلة من طراز رافال لليونان.

المشهد لا يبدو مطمئنا بالنسبة لأنقرة إذ لا يمكن أن تمضي في أحلامها في التقرب من الإتحاد الأوروبي واستمرار التفاوض معه في وقت تمضي في ممارسة عملياتها الاستفزازية تجاه أثينا والتي تقترب في كل مرة من المواجهة المسلحة، لهذا تلجأ الى مفاوضات عقيمة مع اليونان على امل تجاوز احتمالات فرض العقوبات الأوروبية.