إلى أيّ حدّ يمكن أن يمضي أردوغان في إغضاب بوتين

أنقرة – إلى أيّ حدّ يمكن أن يمضي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في إغضاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سوريا؟ هل يدعم أردوغان أوراقه التفاوضية في الميدان قبل لقائه المفترض ببوتين بعد أيام؟ هل تتجاهل موسكو دعم أردوغان للميليشيات المسلّحة المعارضة في إدلب أم أنّها ستردّ على الجبهات؟ هل يتحمّل أردوغان غضب بوتين؟

هل يلعب الموقف الأميركي المتغيّر من الأوضاع في إدلب دوراً رئيساً في تقوية أردوغان وتعزيز موقفه ضد روسيا؟ إلى أيّ درجة يراهن أردوغان على الدعم الأميركي المفترض له في معركة إدلب؟ هل يقايض أردوغان إدلب بمناطق حدودية أخرى يسيطر عليها الأكراد في سوريا، ليتمدّد في شرقي الفرات، ويواصل تحطيمه للمشروع الكردي بإقامة إدارة ذاتية في شمال شرق سوريا؟ هل جاء الصدام على الأرض نتيجة خيبة في المفاوضات بين أنقرة وموسكو؟

حشدت تركيا آلاف الجنود في إدلب، بالموازاة مع أكثر من ألف وثلاثمئة آلية ومدرعة عسكرية، وتقوم بإطلاق التهديدات المتكررة، بأنّها لن تسكت على محاولات الجيش السوري، بدعم من حليفه الروسي، للسيطرة على إدلب.

يجد أردوغان نفسه تحت ضغط الجيش التركي الذي يعتبر معركة إدلب جزءاً من الأمن القومي الاستراتيجي لتركيا، ولا تقلّ الحدود مع إدلب أهمية عن الحدود مع المناطق التي يسيطر عليها الأكراد شمال شرق سوريا..

ومع إعلانه إمهال قوات النظام حتى نهاية الشهر الجاري للانسحاب خلف نقاط المراقبة التركية في إدلب، وتهديده بأنّ الجيش التركي سيضطر لإجبارها على ذلك، يبقى أردوغان محاصراً بضغوط كثيرة لإثبات وجوده العسكري في إدلب، كي لا يفسح المجال لانهيار حلفائه هناك، ويخرج من تلك المنطقة صفر اليدين، وتبقى نقاط المراقبة ال12 التابعة له غير ذي جدوى..

يستقوي أردوغان في مواجهة بوتين بموقف الولايات المتّحدة التي أعلنت دعمها له، وأنّها لن ترضى بتهديد أمن تركيا، وتأتي زيارة جيمس جيفري لتركيا اليوم من باب المساندة والدعم لها في معركة إدلب، كما يأتي تصريح وزير الخارجية الأميركي اليوم بأنّ واشنطن تقف إلى جوار حليفتها في الناتو كرسالة قوية تعبر عن تغير في الموقف الأميركي الذي كان يجسده الرئيس دونالد ترامب، والذي يتحدّث عن ضرورة الانسحاب من سوريا.

وقال بومبيو في إطار إعلانه دعم بلاده لتركيا: "نقف بجانب تركيا، حليفتنا في حلف شمال الأطلسي، في أعقاب الهجوم (بقذائف هاون) الذي أسفر عن مقتل عدة جنود أتراك يخدمون في موقع مراقبة يُستخدم للتنسيق وخفض التصعيد". وأضاف: "وندعم بشكل كامل تحركات تركيا المبررة للدفاع عن نفسها، ردًا على ذلك".

ودعت السفارة الأميركية في تركيا، اليوم الثلاثاء، إلى إعلان وقف إطلاق نار فوري في سوريا. وأوضحت السفارة على حسابها بموقع تويتر، أن المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري، سيبحث خلال زيارته المرتقبة إلى تركيا، مع مسؤولين أتراك رفيعي المستوى الهجوم العسكري للنظام السوري بدعم روسي على إدلب، وسبل التعاون من أجل إيجاد حل سياسي للنزاع في سوريا.

وقبل ذلك أكدت واشنطن أن "تركيا تتمتع بدعم الولايات المتحدة الكامل في الرد دفاعًا عن النفس ضد هجمات نظام الأسد غير المبررة على مواقع المراقبة التركية". جاء ذلك على لسان مندوبة واشنطن الدائمة لدى الأمم المتحدة السفيرة، كيلي كرافت، خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي بشأن التطورات الأخيرة في إدلب شمال غربي سوريا.

بومبيو يؤكد دعم واشنطن لأنقرة
بومبيو يؤكد دعم واشنطن لأنقرة

كما يستقوي أردوغان بحلف الناتو الذي لطالما انتقده في الشهور الماضية، وابتعد عنه حين أتمّ صفقة صواريخ إس-400 مع روسيا، وانتقد آليات عمله، وهدّد بإغلاق قواعد عسكرية تستخدمها قوات الناتو في تركيا، وذلك في سياق ممارساته الضغوط عليها من أجل الاستجابة لطلباته وتلبيتها فيما يتعلّق بعدد من الملفات، كالملف السوري، والملف الليبي وملف التسلح وغيرهما.

ولا يخفى أنّ نقاط المراقبة التركية أصبحت في وضع حرج بعد سيطرة القوات السورية على عدد من المناطق في إدلب، كمعرة المعمان وسراقب، وسيطرتها على الخط السريع الفاصل بين دمشق وحلب، والذي يمر من خان شيخون ومعرة النعمان وسراقب، والذي يحظى بأهمية استراتيجية كبيرة للنظام.

كما أنّ معركة إدلب أحرجت أردوغان بشكل شخصي، وأثبتت أنّه رجل لا يفي بتعهّداته التي يزعم أنّه سيلتزم بها، فبدا محرجاً أمام المعارضة السورية وحاضنتها الشعبية التي وجدت فيه شخصاً انتهازياً يتخلّى عن حلفائه تحت تهديد روسيا وبضغط منها، ولا يجرؤ على مواجهة بوتين الذي سبق أن أوجب عليه الاعتذار له عن إسقاط الطائرة الروسية في 2015.

وكان الرئيس الروسي أكّد في وقت سابق إنه سيعمل على إخراج جميع القوات الأجنبية من سوريا، واستغلّ رهاب أردوغان من نفوذ الأكراد في سوريا، من أجل فرض أمر واقع عليه..

و قال الكرملين اليوم الثلاثاء إنه يجب وقف كل الهجمات على القوات السورية والروسية في محافظة إدلب والالتزام بالاتفاقات التي أبرمتها روسيا مع تركيا بشأن الصراع في سوريا.

ومعلوم أنّه منذ بداية الحرب الأهلية السورية، تدعم كلّ من روسيا وتركيا أطرافاً مختلفة. وحين بدأت روسيا تدخّلها العسكريّ ضدّ الجماعات المسلّحة التي تدعمها تركيا، سنة 2015، غيرت مسار الأحداث في سوريا، وانقلبت الكفة لصالح النظام مجدداًـ بعد تهاوي صفوفه..

وجاء حادث إسقاط تركيا طائرة روسية مقاتلة في 2015، من قبل الجيش التركي، كعامل رئيس تسبّب في خلاف عميق بين الطرفين، حيث اتهم الجيش الروسي أردوغان وأسرته بالتورط في تجارة النفط بشكل غير مشروع مع تنظيم الدولة الإسلامية، واتّهمت تركيا روسيا بتزويد المقاتلين الأكراد داخل تركيا بالسلاح في مايو 2016، وبعد ذلك أجبر بوتين أردوغان على الاعتذار في يونيو 2016 عن إسقاط الطائرة الروسية.

وكان اعتذار أردوغان لبوتين حدثاً مفصلياً وضع حدّاً للعلاقات المتوترة بين الطرفين، وهو الذي يتمادى عادة في انتقاداته لعدد من القادة الغربيين، ويتخلّى عن اللغة الدبلوماسية في عدد من المناسبات، ويتحدث بأسلوب شعبويّ يتنافى مع مسؤولية رجل الدولة. بحسب ما يشير معارضون أتراك.

وعمل بوتين على استغلال أردوغان من أجل السعي لتفتيت حلف شمال الأطلسي، وتوتير علاقاته مع الغرب والولايات المتحدة، ونجح في ذلك إلى حدّ بعيد، بعد أن أتمّ مع أردوغان صفقة نظام الدفاع الصاروخي الروسي إس-400 في صيف 2019، وهو ما أغضب البنتاغون والكونغرس الأميركي.

ويلفت محللون أنّ العلاقات الروسية التركية الجديدة قوّضت أيضاً حلف شمال الأطلسي والعلاقات الأميركية التركية. وتفرض دول الاتحاد الأوروبي حظراً على تسليح تركيا، بينما تتضرر سمعة البلاد داخل حلف شمال الأطلسي. وتفرض الولايات المتحدة أيضاً عقوبات محدودة على تركيا.