إلى أين سيصل الخلاف التركي الأميركي حول القوقاز؟

 

تضع التوترات المتجددة بين أذربيجان وأرمينيا حول قره باغ الولايات المتحدة وتركيا على طرفي نقيض في النزاع العنيف، ولكن ليس بالطريقة التي يراها معظم المراقبين. هذه ليست حالة تركيا تحت قيادة الرئيس رجب طيب أردوغان عبر دعم دولة قومية، فيما الولايات المتحدة تحت قيادة الرئيس دونالد ترامب تدعم دولة أخرى، ولكنها قضية دعم أردوغان لأهداف أحد أطراف الحرب، ودعم ترامب لحل تفاوضي متعدد الأطراف.
بغض النظر عن النداءات من اللوبي الأرمني المؤثر في الولايات المتحدة، تجنب البيت الأبيض اختيار الجانب الأرمني وانضم إلى روسيا وفرنسا الداعيتين إلى المفاوضات. وهذا ليس غريبا كما يبدو.
استمر وضع قره باغ باعتبارها دولة حبيسة، على غرار كالينينغراد في الكيان الفدرالي الروسي. ولا تفضل المفاوضات، التي من المؤكد أن تؤثر على الوضع الراهن المستمر منذ سنوات، بالإضافة إلى وضع قره باغ الديموغرافي، بإيجاد حل للقضية من خلال استعادة السيادة الكاملة لأذربيجان. 
ومع تمتع دعاة المفاوضات (الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا) بصلات تاريخية مع أرمينيا، وتواجد الشتات الأرمني داخل حدود هذه الدول ومشاركتهم في سياساتها الداخلية، ليس من المفاجئ أن يقرر الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف زعزعة الأمور، على الرغم من أنه يخاطر بجني ثمار الزوبعة بعد زرع بذور العنف. 
ومن المحتمل أن يدرك أردوغان أنه على الرغم من إعلان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن نهج غير متحيز للجمهوريتين السوفييتية السابقتين، فمن المحتمل أن يُنظر إلى العلاقات اللغوية والدينية والثقافية بين موسكو ويريفان في أنقرة وباكو على أنها لصالح أرمينيا.
رأى أردوغان الفرصة لمواجهة ميل موسكو الحقيقي أو المتصور نحو يريفان في دعم مزاعم علييف وتزويده بالأسلحة، ولا سيما بالطائرات دون طيار، وبالمقاتلين غير النظاميين من مناطق مثل سوريا. كما يرى أردوغان فرصة لتقليص نفوذ روسيا في أذربيجان، مما قد يقلل من اعتماد تركيا على النفط الروسي. إذ سيكون وجود خيارات متعددة لاستيراد النفط في صالح تركيا.
ويتناسب دعم أردوغان لأذربيجان مع صورته باعتباره الصوت البارز لجميع المسلمين الذين يعانون على أيدي غير المسلمين. وعلى الرغم من أنه يصمت عندما لا تكون هناك فائدة من التحدث (مثل تخليه عن الإيغور في الصين)، يحرص أردوغان أن يصور نفسه لمؤيديه على أنه القائد السياسي المسلم الذي يتحدث ويتصرف ضد الغربيين المعادين للإسلام. وعلى الرغم من أن المسيحية ولدت في الشرق الأوسط مثل الإسلام، أظهر أردوغان أنه يعتبر المسيحية والعديد من الدول ذات الغالبية المسيحية انعكاسا للإمبريالية الغربية، على عكس موقفه تجاه إسرائيل اليهودية.
كما يتناسب دعم الرئيس التركي لجهود علييف مع جهوده لتقديم تركيا على أنها الأخ الأكبر الحامي لجميع الدول التركية الأخرى. ومن المفارقات أن جل الجهود السابقة لإقامة علاقات بين الدول الناطقة بالتركية كان عبارة عن شراكة بين وزارة خارجية أردوغان/داود أوغلو لدعم أعمال أتباع فتح الله غولن التعليمي والثقافي. وعلى الرغم من انتهاء هذه الشراكة نهائيا إثر محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها البلاد في يوليو 2016، وحتى إنكار وجودها السابق، إلا أن جهود تركيا لغرس الشعور بالتركية في العديد من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة حققت بعض النجاح. ويجب على موسكو أن تأخذ هذا في عين الاعتبار، ومن المرجح أنها قد فعلت ذلك.
بالنسبة للولايات المتحدة، يُعتبر نهج أردوغان تجاه اندلاع العنف في قره باغ مصدر إزعاج آخر للعلاقة الهشة مع زميلها وحليفها الشرعي في الناتو الذي يتصرف كخصم. وبالطبع، أعلنت العديد من الأصوات المناهضة لتركيا أن تصرفات تركيا في نزاع القوقاز تثبت، مرة أخرى، أنها خصم ويجب على الولايات المتحدة التعامل معها على هذا النحو. ولحسن حظها، لا يعرّف الرئيس ترامب ولا وزير الخارجية مايك بومبيو تركيا وشعبها بالرئيس أردوغان.
مع القليل من النفوذ في القوقاز أو أنقرة، ومع وجود لوبي أرميني قوي في الولايات المتحدة، بما في ذلك العديد من أعضاء الكونغرس المؤيدين لأرمينيا، وعدم وجود أعضاء موالين لأذربيجان، لا يمكن للبيت الأبيض أن يتخذ خطوات تتجاوز الدعوة إلى المفاوضات بالشراكة مع الكرملين وقصر الإليزيه. سيعتمد تنفيذ وقف إطلاق النار (أو بالأحرى فرضه إذا رفض الطرفان الالتزام به وأصرت الجهات الخارجية على تنفيذه بموجب تفويض من الأمم المتحدة) على موقف روسيا وتركيا. إذ تبدو أدوار الولايات المتحدة وفرنسا ثانوية إلى حد كبير.
حاليا، يبدو أن الرئيس أردوغان سيقول إنه يؤيد وقف إطلاق النار والمفاوضات لكنه يواصل دعم علييف بغض النظر عن تصرفاته، مما سيفاقم عزلة تركيا عن حلفائها في حلف الناتو مع إظهار استقلاليته في اتخاذ القرارات دون خوف من التعرض لعواقب وخيمة لمؤيديه المحليين. 
تحتاج روسيا إلى أسواق لنفطها وغازها. لذلك، يبدو قطع الشحنات إلى تركيا أمرا غير وارد. ولن توجه الضربة العسكرية الأولى لتركيا ولن تسمح لأرمينيا بذلك طالما بقيت تركيا داخل الناتو. وإذا كشف الدب الروسي أنيابه وأخرج مخالبه، سوف تنزف أذربيجان. أما بالنسبة للعقوبات الاقتصادية التي تفرضها الولايات المتحدة أو غيرها، فإنها ستسمح لأردوغان بلوم الغرباء على الأزمة المالية في تركيا تحت سلطته.
 

 

 
-    يُمكن قراءة المقال باللغة الإنجليزية أيضاً:
 
https://ahvalnews.com/turkey-us/turkey-us-disagreement-over-caucasus
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.