المواجهة بين اليونان وتركيا في مستنقع الأزمة الليبية

دخلت الحرب الأهلية الليبية مرحلة دقيقة في الأسابيع الأخيرة، في الوقت الذي حقق فيه الجيش الوطني الليبي وحلفاؤه مكاسب كبيرة على جبهة طرابلس وتمكنوا من السيطرة على مدينة سرت، من دون إطلاق رصاصة واحدة تقريبا.

ولقد أقدم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على رهان خطير حين قرر تحويل تركيا إلى نصير عسكري وسياسي لحكومة طرابلس. وجاء توقيع مذكرتي التفاهم بين الحكومة التركية وحكومة الوفاق الوطني، إحداهما تتعلق بالحدود البحرية والأخرى تخص التعاون العسكري، ليضطر اليونان إلى التدخل في الأزمة الليبية وإعلان دعمها لمجلس النواب الليبي والجيش الوطني الليبي.

تعتبر الحكومة اليونانية مذكرة التفاهم المتعلقة بالحدود البحرية بين تركيا وليبيا بمثابة انتهاك صارخ للقانون الدولي وتعد على حقوق اليونان السيادية.

وحتى أواخر شهر نوفمبر الماضي، حين وقعت تركيا وحكومة الوفاق الوطني على مذكرتي التفاهم، كانت اليونان تتبنى موقفا محايدا تجاه ليبيا ولم تبد أي رغبة في الوقوف إلى جانب أي طرف من الأطراف المتحاربة. كانت الحكومة اليونانية السابقة قد قامت بمحاولة متواضعة للغاية في أواخر العام 2016 للتوسط في تسوية بين حكومة الوفاق الوطني ومصر، والتقى وزير الخارجية اليوناني السابق نيكوس كوتزياس مع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فائز السراج في طرابلس. بيد أن ذلك الجهد الدبلوماسي غير المتقن باء بالفشل، واختفت ليبيا مجددا من على الرادار الدبلوماسي اليوناني.

وعلى الرغم من ذلك، أثار تحرك أردوغان لفرض أمر واقع في البحر المتوسط قلق الحكومة اليونانية، ودفع أثينا إلى إجراء تغيير كبير في سياساتها.

فالآن، أصبحت اليونان أكبر الداعمين لمجلس النواب والجيش الوطني الليبي في الغرب، لتقف بجانب حلفائها العرب مصر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. وقد استضاف البرلمان اليوناني رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح في أثينا، بينما زار وزير الخارجية اليوناني نيكوس ديندياس قائد الجيش الوطني الليبي خليفة حفتر في بنغازي في شهر ديسمبر الماضي، في أول زيارة يقوم بها مسؤول يوناني لشرق ليبيا منذ اندلاع الحرب. وجرى تطوير العلاقات الثنائية منذ ذلك الحين؛ إذ زار حفتر أثينا يوم الخميس الماضي والتقى مع ديندياس ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس.

وضعت الحكومة اليونانية إلغاء الاتفاقية البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية ضمن أهم أولويات السياسة الخارجية وسياسة الأمن القومي لليونان، وأبلغت شركاءها الأوروبيين بأنها تنوي عرقلة أي قرار سياسي للاتحاد الأوروبي بخصوص الأزمة الليبية ما لم يتم إلغاء الاتفاقية المثيرة للجدل. وقبل مؤتمر برلين، الذي يهدف إلى تحقيق وقف دائم لإطلاق النار في ليبيا، أوضح رئيس الوزراء اليوناني للمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل أن أثينا منزعجة من عدم دعوتها للمؤتمر، وأنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام انتهاك حقوقها السيادية باتفاقية غير قانونية.

وعلى الرغم من تصاعد حدة التوتر بين أثينا وأنقرة بسبب خطط أردوغان المتعلقة بالبحر المتوسط، كان هناك إحياء للمحادثات بين الحكومتين يمكن أن يتمخض في نهاية المطاف عن مفاوضات رسمية بشأن ترسيم الحدود البحرية في بحر إيجة وامتداد المنطقة الاقتصادية الخالصة لكل بلد. غير أن مثل هذه المفاوضات لم تكلل بالنجاح في الماضي، وها هي محكوم عليها بالفشل من جديد في الوقت الذي تصر فيه تركيا على أن الجزر اليونانية لا تتمتع بحقوق سيادية يونانية في الجرف القاري. صحيح أن هذا النزاع الكبير قد تحله محكمة العدل الدولية في لاهاي في نهاية المطاف، إلا أن ذرائع تركيا بشأن ملكية عشرات الجزر الصغيرة والجزيرات في بحر إيجة تزيد الأمور تعقيدا.

إن إعلان الرئيس التركي عن تحركات بلاده للتنقيب عن النفط في مناطق بالبحر المتوسط تطالب اليونان بأحقيتها فيها قد أثار قلق أثينا، وتتبنى الحكومة اليونانية خططا سياسية وعسكرية بشأن كيفية الرد على أي تحركات تركية محتملة.

خلال زيارته الأخيرة لواشنطن، أكد رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس على "الخطوط الحمراء" اليونانية لكل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير خارجيته مايك بومبيو وعدد من المسؤولين الأمنيين في الولايات المتحدة. ويقول المسؤولون اليونانيون إن إدارة ترامب تدرك على ما يبدو إلى أي مدى بلغت خطورة الموقف بين اليونان وتركيا.

يشدد رئيس الوزراء اليوناني على أن أثينا تريد تجنب المواجهة مع أنقرة، وستبذل قصارى جهدها لمنع التصعيد. وعلى الرغم من ذلك، تردد أن الحكومة اليونانية عازمة على الرد إذا اختارت تركيا التحرك داخل المياه الإقليمية اليونانية، وسيكون ردها بحسب طبيعة هذا التحرك.

تأمل الحكومة اليونانية تجنب الدخول في أزمة كبيرة مع تركيا إذا تم في نهاية المطاف إلغاء الاتفاقية البحرية المثيرة للخلاف المبرمة بين تركيا وليبيا من خلال مفاوضات السلام الليبية. ومع ذلك، من الواضح أن أحد الأهداف الرئيسية للتدخل التركي في الأزمة الليبية يتمثل في فرض الأمر الواقع البحري الذي تنص عيه مذكرة التفاهم.

ولقد أوضح الرئيس التركي في مقالته الأخيرة أن السلام لا يمكن تحقيقه في ليبيا ما لم يتم الحفاظ على المصالح التركية. ومن ثم، يبقى أن نرى ما إذا كانت الأزمة الليبية ستدفع تركيا واليونان إلى أتون مواجهة مباشرة أم ستقود في نهاية المطاف إلى إجراء بعض المفاوضات الجادة بشأن التوصل لتسوية نهائية بين البلدين.

لقراءة المقال باللغة الانكليزية على هذا الرابط

https://ahvalnews.com/turkey-greece/greece-and-turkeys-face-libyan-quagmire
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.