العلاقات اليونانية التركية باختصار

تبقى الطموحات والسلوك التركي مصدر قلق دائم ورئيسي لليونان. فسوف تنتهي الأزمة الصحية في مرحلة ما وفقا لجميع الخبراء، وستتم إدارة المشاكل الاقتصادية، وخاصة من خلال الاتحاد الأوروبي، ومن المتوقع وقوع كوارث بيئية مع تغير المناخ، وهو وضع مؤسف من المقرر أن يستمر. وعلى النقيض من ذلك، يكاد يكون موقف تركيا تجاهنا مشكلتنا المباشرة الحصرية، وسيعتمد التعامل معها/حلها على مجموعة متنوعة من العوامل.

ويعدّ أحد جوانب هذه المشكلة واضحا ويسهل التحقق منه. فالسياسة التركية تُعرَّف الآن بإحساس من الإمبريالية الدينية يرتقي إلى مستوى العقيدة، التي تشمل، من بين أمور أخرى، مراجعة حدود تركيا وتوسيع نفوذها، وزيادة الجهود الرامية إلى الاعتراف بتركيا كقوة إقليمية رائدة، فضلا عن كونها قائدة لتجمع الدول السنية. كما تتبنى عقيدة تسمى بـ"الوطن الأزرق" وهي في الأساس محاولة لتعزيز نسخة من العثمانية الجديدة التي سيتم تحديد نطاقها، من ناحية، من قبل الدول المتوسطة والصغيرة المتضررة المجاورة لتركيا أو اللاعبين الدوليين الأكبر الذين يسعون إلى تغيير في ميزان القوى القائم، ومن ناحية أخرى من خلال قدرة أنقرة على تحقيق نتائج خططها.

تعتبر اليونان من القوى الأصغر في المنطقة. وهي تشعر بتوسعية تركيا وبالتهديد من أفعالها. وتدرك أنه إذا استمر الوضع في التصاعد ووصل إلى صراع مفتوح، فسوف تضطر إلى الصمود في طريق العاصفة وحدها. ولكي تتجنب اليونان أي تصعيد من هذا القبيل، يتعين عليها أن تحسن قدراتها الدفاعية لضمان أن تكون أي مناورات هجومية من جانب الخصم باهظة التكلفة. وهذا يعني أن زيادة الإنفاق الدفاعي أصبحت ضرورة مطلقة، رغم عبء هذه الخطوة المالي. وفي نفس الوقت، من الواضح أن القوات المسلحة اليونانية تحتاج إلى اللحاق بالتقدم التكنولوجي والدراية المطلوبة في ساحة المعركة اليوم. فعلى سبيل المثال، تتمتع تركيا ببرنامج طائرات دون طيار متفوق، وهو وضع نحتاج إلى تصحيحه في وقت قريب وخاصة لاعتمادنا على الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا، الذين يتوقعون الرضا من برنامجنا للمشتريات العسكرية.

لتركيا العديد من المزايا، ومن بينها:

1) عدد سكان ضخم، وشاب إلى حد كبير، (خاصة بالمقارنة مع اليونان) يسيطر عليهم أردوغان ويتجمعون تحت استغلاله للقومية والدين.

2) الخبرة التي اكتسبتها القوات المسلحة التركية من النزاع الطويل الأمد مع الانفصاليين الأكراد، فضلا عن الغزوات الأخيرة في عدة نزاعات أخرى.

3) صناعة الدفاع الكبيرة التي تطوّرت بعناية.

4) حقيقة أن المجتمع التركي يبقى أكثر استعدادا لقبول فكرة وقوع إصابات.

والإضافة إلى هذه المزايا، لا بد لنا من ذكر التجاهل الذي تبديه أهم سلطات الغرب للعداء والاستفزازات التركية. وقد يكون ذلك بسبب موقع تركيا الجيوستراتيجي المهم، أو لأن العديد من الدول، وخاصة الدول الأوروبية (مع ألمانيا كمثال رئيسي) لها مصالح مالية مهمة في تركيا، سواء كانت تجارة أو استثمارات أو قروض. وقد يكون ذلك لأن الغرب أصبح محتجزا مثل الرهينة. وبعيدا عن أزمة الهجرة، يكمن العامل الأكثر أهمية في عدد السكان الأتراك الكبير الذين يعيشون في أوروبا والذين تسيطر عليهم الحكومة التركية من خلال الشبكات القومية والدينية.

وتشمل مزايا اليونان القانون الدولي، الذي ينطبق على البحر ولكن، بشكل أعمّ، المعاهدات التي تم التوقيع عليها في الماضي ولا يمكن أن يشكك فيها أحد، ومشاركة اليونان في ركائز الغرب (مثل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي على الرغم من الدعم غير الكافي الذي تقدمه)، وعلاقاتها التاريخية بالحضارة الغربية، وموقعها الجغرافي كجزء لا يتجزأ من أوروبا، ووظيفتها كدرع لأوروبا خلال أزمة المهاجرين. وهناك أيضا حقيقة تنمية اليونان لعلاقات إيجابية مع إسرائيل في الوقت المناسب (وهذا تطوّر حاسم).

جلبت التطورات الأخيرة ميزتين أخريين: تراجع الاقتصاد التركي وانتخاب إدارة جديدة في واشنطن، حكومة الولايات المتحدة التي ترغب في مواجهة روسيا وإثارة مسائل حقوق الإنسان والديمقراطية. والأهم من ذلك، يبدو أنها لا تتسامح مع شركاء حلف شمال الأطلسي الذين يتساهلون مع موسكو.

وهذا هو المستنقع الذي دخل فيه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مما جعل أهمية تركيا الجيوستراتيجية موضع شك ويخاطر بعواقب تقوّض علاقات بلاده مع رعاته الأوروبيين. بل إنه هدد مؤخرا، بشكل غير مباشر، بأن تركيا سوف تتخلى عن عضويتها في حلف شمال الأطلسي. ونأمل أن يحدث هذا، لكن أردوغان ليس بهذا الغباء.

تُرجم هذا المقال إلى العربية بإذن من صحيفة كاثيميريني اليونانية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-greece/greek-turkish-relations-nutshell
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.