الحكومة التركية والمافيا.. أدوار متكاملة وخدمات متبادلة في 2020

أنقرة – كيف يمكن النظر إلى العلاقات المتنامية بين حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان وزعماء المافيا التركية؟ مَن منهما يستخدم الآخر؟ هل أصبحت المافيا التركية متغلغلة في مؤسسات الدولة أم أنها تظلّ موقوفة للاستخدام حين الحاجة؟

 لعلّ من أبرز النقاط التي يمكن الإشارة إليها في سياسة الحكومة التركية على الصعيدين الداخلي والخارجي، هي علاقتها الوطيدة مع المافيا، واستخدامها قادة المافيا لتمرير بعض رسائلها السياسيّة إلى معارضيها من جهة، وإلى الخارج من جهة ثانية، بطريقة تمكّنها من التبرّؤ من المسؤولية القانونية حين المساءلة وإثارة الأمر على صعيد رسميّ.

لكنّ هذا الاستخدام الوظيفيّ لزعماء المافيا التركية من قبل حكومة أردوغان لا يعني أنّ بإمكانها التحكّم بهم، وإبقائهم تحت السيطرة، بل يزيد هامش المناورة والتحرّك عندهم، ويعيد إلى الذاكرة والواجهة فترات سابقة من التاريخ التركي الحديث، وبخاصّة فترة التسعينيات، حيث احتلّت المافيا الواجهة وتحكّمت بمؤسّسات أمنية واستخبارية في الدولة، وهيمنت على قادة في الجيش ممّن تورّطوا معها، أو كانوا شركاء في الجريمة المنظّمة.

يتبادل كلّ من حكومة أردوغان والمافيا التركية الأدوار والخدمات، ويكون بينهما توحيد للجهود ضدّ الخصوم، بحيث يؤمّن الحكومة غطاء شرعيّاً للمافيات في الخفاء، في حين أن تلك المافيات تنفّذ أجندتها بإثارة المشاكل وارتكاب الجرائم التي يراد تنفيذها والتنصّل من مسؤولياتها، بحسب ما يشير معارضون أتراك.

ويلفت محللون إلى أنّ المشكلة تكمن في أن ثمة خوفاً من أن تتبنى الدولة صفة من صفات المافيا، مما يطمس الخطوط الفاصلة بين دولة تحكمها قوانين وقواعد المافيا. ويحذّرون من أنّه لا ينبغي إغفال دور جهاز المخابرات الوطنية التركي في تشكيل هذا الاتجاه، وأنّه قد يكون حتى لعب دورا أكبر في إيجاد مثل هذا "الوحش".

وتوصف تركيا اليوم بأنّها دولة يسيطر فيها الحزب الحاكم بالكامل على الدولة، ويتوّجه رئيسها لتأسيس سلطة دكتاتورية فردية، وقد قامت الحكومة بمساومة المؤسسات التي كانت في السابق تعمل بشكل مستقل نسبياً عن السيطرة المدنية، ويشمل ذلك الجيش.

وعاد عدد من قادة المافيا التركية المعروفين بإجرامهم إلى الواجهة بعد القانون الذي مرّره حزب العدالة والتنمية في البرلمان في شهر أبريل، والذي تمّ بموجبه الإفراج عن قرابة 90000 سجين من السجون التركية.

ويحذّر مراقبون من أن إعادة ظهور شخصيات مشهورة منذ التسعينيات، مثل إطلاق سراح زعيم المافيا سيئ السمعة، من السجن كجزء من تدابير مواجهة فيروس كورونا، والمطالبة الأخيرة بإلغاء حزب الشعوب الديمقراطي من قبل رئيس حزب الوطن، دوغو بيرينجيك، تمثل علامة مهمة وواضحة.

وكان تم القبض على تشاكيجي، الذي وُصف بأنه ضابط في المخابرات السابقة، لأول مرة بعد الانقلاب العسكري التركي عام 1980 لقتله 41 يساريًا. وبحسب ما ورد، تم توظيف رئيس المافيا سراً كوكيل من قبل أجهزة الأمن التركية. وتتمتع شخصيات مثل تشاكيجي، وأحد كبار رئيسي العصابات، سادات بيكر، بنفس الشهرة في البلاد. بحسب الباحث ريان جينجيراس في حديث سابق لموقع أحوال تركية.

هل يحكم بهجلي وتشاكيجي تركيا من وراء ستار
هل يحكم بهجلي وتشاكيجي تركيا من وراء ستار

وهدّد علاء الدين تشاكيجي، في بيان مكتوب نشره على حسابه على تويتر، كمال كليجدار أوغلو؛ زعيم حزب الشعب الجمهوري بعبارات مثل "كن ذكيًا.. إذا جمعت خونة الوطن وبهجلي معًا، فسترتكب خطأ حياتك" وذلك في إشارة منه إلى تصريحات كليجدار أوغلو المنتقدة للتحالف الحاكم الذي يضمّ حزب العدالة والتنمية وحليفه الحركة القومية اليميني المتطرف بزعامة دولت بهجلي.

وأثبتت التطورات الأخيرة في تركيا أن هناك حدودًا لسلطات الرئيس رجب طيب أردوغان، والذي لا ينبغي له أن يتعدى الخطوط الحمراء التي رسمها له شريكه اليميني المتطرف في التحالف الصغير دولت بهجلي وصديقه السيئ السمعة، علاء الدين تشاكيجي، وفقًا لما أكده حامد بوزرسلان من كلية الدراسات المتقدمة في العلوم الاجتماعية بباريس.

وبحسب بوزرسلان، فإنه يعتقد أن الخطوط الحمراء التي لا يستطيع حتى أردوغان، بكل قوته، أن يتجاوزها، لا تحددها قوانين أو مؤسسات تركيا السطحية، ولكن يحددها كل من بهجلي وتشاكيجي، اللذين يعتبران نفسيهما "ليس فوق القانون، ولكن القانون نفسه، والمالكان الحقيقيان للدولة في عهد أردوغان".

ووفقًا لتقارير استخباراتية تسربت إلى الصحافة التركية، استخدمت الاستخبارات التركية تشاكيجي "لتنفيذ أعمال قذرة لا يمكن تنفيذها بشكل قانوني" و"لتصفية الإرهابيين" في الحرب ضد المنظمات اليسارية. وقاد علاء الدين تشاكيجي، تلك الجهود لاستهداف الأرمن، بما في ذلك قتل قائد الجيش الأرمني السري لتحرير أرمينيا هاکوب هاکوبیان.

كما تشير هجمات الشرطة ضد مظاهرات مسيرة الديمقراطية من أجل حزب الشعوب الديمقراطي، إلى جانب استثناء وسائل الإعلام التركية لحزب الشعوب الديمقراطي من برامجها، إلى أن مشاكل التسعينيات تعود إلى الحاضر بمساعدة المافيات وتوجيه منها واستخدام لها.

وعلى صعيد متّصل بالتنسيق بين الحكومة والمافيا، كشفت تقارير إعلامية غربية المزيد من الحقائق حول استمرار تركيا، حكومة ومافيا، بمواصلة نهب أموال الشعب الليبي منذ سنوات حتى خلال حُكم الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي الذي كان صديقاً للرئيس التركي رجب طيّب أردوغان وسهّل دخول الشركات التركية للعمل في ليبيا، فانقلب عليه الأخير فوراً في العام 2011.

ونقلت وسائل إعلام دولية عن صحيفة "لوباريزيان" الفرنسية بأن محققين عثروا على قسم كبير من أموال قيل إنها للقذافي كانت قد نهبت من مصرف في ليبيا عام 2017. وذكر ت أن قيمة هذه الأموال تبلغ 160 مليون يورو، فيما وصفت عملية الضبط بأنها الأكبر بالنسبة للأوراق النقدية الليبية على الأراضي الأوروبية.

وهناك نوع آخر من المافيا الإعلامية التي يلجأ إليها أردوغان لتلميع صورته وتشويه خصومه السياسيين، عبر ما يمكن وصفه بالتشبيح الإعلامي، وإطلاق الحملات المضللة على مواقع التواصل الاجتماعي لدعم أردوغان، والإساءة لخصومه، واختلاق حكايات غير حقيقية، وتضخيمها في سياق الدعاية الانتخابية لأردوغان وحزبه الحاكم.

عصابة البجع تمارس التشبيح الإعلامي لصالح أردوغان
عصابة البجع تمارس التشبيح الإعلامي لصالح أردوغان

ومن هذه المافيا؛ عصابة البجع التي ينشط أعضاؤها على مواقع التواصل، وهي مجموعة توصف بأنّها بمثابة جيش إلكتروني يسعى للتشويش على المعارضين الأتراك، وتلفيق الأكاذيب عنهم، بغية تشويه صورتهم أمام الرأي العام، وإظهارهم بصورة لا مسؤولة غير تلك التي يظهرون عليها.

وقبل أيام أدلى رئيس حزب المستقبل، أحمد داود أوغلو، بتصريحات قاسية ضدّ عصابة البجع، التي لعبت دورًا نشطًا في استقالته من رئاسة الوزراء خلال فترة حكم حزب العدالة والتنمية وقال داود أوغلو "هذه قضية دولة.. هناك شبكة تعمل ضد قانون الدولة في تركيا، وأنشأت مجموعة من العلاقات من شأنها أن تمهد الطريق للفساد" مؤكداً أنه بالطبع ستتم مناقشة هذه الأمور، لكن لا يجب الإسراع بها.

وبات من المعلوم للمتابعين أنّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يدير شبكة استخبارات واسعة في أوروبا حول تجمعات المساجد والقوميين، وهو تقليد إسلامي محافظ انبثق عنه الرئيس وحزبه الحاكم. لم تكن هناك حاجة إلى الذئاب الرمادية في الميدان. ولكن، عندما اشتعلت القضية الأرمنية، كانت الدولة "بحاجة إلى رجال يمكنهم كسر الأشياء" مرة أخرى.

وكان حظر فرنسا للذئاب الرمادية، منظمة الشباب التابعة لحزب الحركة القومية اليميني المتطرف في تركيا في نوفمبر الماضي، مفاجأة للكثيرين إذ تلقى الترهيب الإسلامي ضربة أخرى في أوروبا.

والمجموعة التي تأسست كجزء من موجة السياسة اليمينية لمسؤولي الدولة التركية المدربين في أميركا المناهضة للشيوعية في الستينيات، عادت إلى الواجهة عبر شنّها هجمات ضد المجتمعات والنصب الأرمنية في فرنسا. وعمدت إلى تشويه النصب التذكاري لضحايا حملات الإبادة الجماعية في 1915 بكتابات صفراء، كما شوهدت حشود من الأتراك الغاضبين وهم يتجولون في الأحياء الأرمينية خلال ذروة القتال بين أذربيجان وأرمينيا حول منطقة فره باغ.

ويلفت محللون أتراك إلى أنّ الذئاب الرمادية فقدت سلطتها بعد الانقلاب في الثمانينيات. وجاءت المافيا لجذب المثاليين حين غادروا السجن. احتكّت المجموعة بالمافيا في السبعينيات لشراء الأسلحة وجمع الموارد. وكان للدولة سيطرة صارمة على مجموعات المافيا أيضا.

وفي الثمانينيات، بدأت مافيا الذئاب الرمادية تتشكّل مع أمثال محسن يازجي أوغلو، وعبدالله تشاتلي، ومحمد الغول، ومحمد شينر، ويالجين أوزبي. وقال لقمان كوندكجي الذي بدأ العلاقات مع المافيا، في اعترافاته في أن أسهل طريقة للعثور على المال كان من خلال تهريب الهيروين.

بدأت هذه المافيا القومية في المشاركة بنشاط في حرب تركيا ضد الحركة السياسية الكردية في التسعينيات مما زاد من تعقيد علاقاتها مع الدولة. ونجحت المجموعة في السيطرة الكاملة على طريق المخدرات من أفغانستان إلى أوروبا والأميركتين.