الغرب يواجه مسألة مشرقية مع ظهور العثمانية الجديدة

"منذ قديم الزمن، واجهت أوروبا 'مسألة شرقية'. ولا تتغير هذه المشكلة في جوهرها، فقد نشأت من الصراع في أراضي جنوب شرق أوروبا بين عادات الغرب وأفكارهم ومفاهيمم وتلك التي عهدها الشرق. واتخذت جوانب مختلفة في فترات مختلفة".

هكذا قال السير جون أي. آر ماريوت ووصف المسألة الشرقية في نصه: "المسألة الشرقية، دراسة تاريخية في الدبلوماسية الأوروبية". وأثبت هذا التعريف للمسألة الشرقية نفسه كأداة دائمة لفهم التطورات في منطقتنا على الرغم من صياغته منذ قرن.

إلى حدود السنوات الأولى من القرن العشرين، كان تراجع الإمبراطورية العثمانية ونفوذها الجيوسياسي مسألة مركزية في المسألة الشرقية. وانتهى سقوط الإمبراطورية وإنشاء الدولة التركية الحديثة في 1923 بالشروط الإقليمية وغيرها المنصوص عليها في معاهدة لوزان بطيّ الصفحة عن فصل رئيسي في المسألة الشرقية.

تنفيذا للرؤية الكمالية، ربطت تركيا الحديثة نفسها بأوروبا والغرب استراتيجيا قبل كل شيء، ولكنها لم تتجاهل البعد السياسي والثقافي أيضا. وبصفتها عضوا رئيسيا في الناتو ومرشحا للعضوية في الاتحاد الأوروبي، لم تكن تركيا جزءا من المسألة الشرقية الأوسع (كما حددها ماريوت) لعقود عديدة. وعبّر 15 سنة من التراجع الأيديولوجي والسياسي، شهدنا مراجعة تركيا، بقيادة رجب طيب أردوغان، لخياراتها وتوجهاتها الاستراتيجية السابقة.

وتراها اليوم أعمق في عالم الإسلاموية. وتتعارض مع شروط معاهدة لوزان منهجيا، وتحاول نقضها وتتجاهل حقيقة كونها حجر أساس الاستقرار والسلام في منطقة شرق المتوسط ​​الأوسع. وتبنت أنقرة استراتيجية "عثمانية جديدة"، مستعرضة قوتها ووجودها ونفوذها في الأراضي العثمانية السابقة من سوريا إلى ليبيا ومن قبرص إلى القوقاز، وهي منطقة تضم بحر إيجة.

وهكذا، تبتعد تركيا، تحت سلطة رجل واحد، عن الغرب بثبات. وفي تحول عن التوجه الذي اعتمدته في أوائل القرن العشرين، أصبحت محور المسألة الشرقية الجديدة. وبدلا من الانكماش العثماني، نشهد توسعا عثمانيا جديدا.

تتحول تركيا من جزر تاريخي إلى استراتيجية مد توسعية. وفي هذا السياق، لا تعتبر محاولة اختراق المهاجرين الجماعية لحدود إيفروس اليونانية من تركيا في مارس الماضي حادثة منعزلة. فقد كان هذا صداما واضحا، وإن كان غير مباشر، بين الشرق والغرب على الحدود اليونانية والأوروبية. وكان تفادي هذه المسرحية الخطيرة نتيجة للاستجابة اليونانية القوية بدعم من أوروبا. لكن، يجب ألا يدفعنا هذا إلى التقليل من أهمية تلك المحاولة لتسليح أزمة الهجرة.

تعدّ سياسة "الوطن الأزرق"، التي تتبناها تركيا ضد اليونان وقبرص ودول شرق البحر المتوسط ​​الأخرى (بما في ذلك إسرائيل ومصر) في تحد للقانون الدولي، التعبير العملي عن استراتيجية أنقرة التنقيبية. وهي تعيق تطورات الطاقة الأوروبية المهمة. كما يبقى شراء نظام الصواريخ القوي من خارج الناتو (إس-400) تعبيرا آخر عن تطلعات تركيا إلى الحكم الذاتي الاستراتيجي.

وتجد أوروبا والولايات المتحدة نفسيهما الآن مضطرتين لإدارة "المشكلة التركية" بوصفها بعدا جديدا وخطيرا للمسألة الشرقية في القرن الحادي والعشرين. ولا يمكن أن تكون الفقرة 35 من القرارات الأخيرة للمجلس الأوروبي أكثر وضوحا: "سيسعى الاتحاد الأوروبي إلى التنسيق في الأمور المتعلقة بتركيا والوضع في شرق البحر المتوسط ​​مع الولايات المتحدة". مع وضع هذا الاحتمال في الاعتبار، منح المجلس الأوروبي الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي، جوزيف بوريل، تفويضين: إعداد تقرير ومقترحات سياسية بشأن تركيا والمضي قدما في اقتراح مؤتمر متعدد الأطراف حول شرق البحر المتوسط.

ويُذكر أن إدانة الاتحاد الأوروبي السياسية لسلوك تركيا تزامنت مع قرار واشنطن بفرض عقوبات على شريكتها في حلف شمال الأطلسي، وتعليق تسليم المعدات والخبرات الدفاعية بسبب فشل تركيا في الالتزام بخيارات الحلف الاستراتيجية الرئيسية. وأثارت هذه العقوبات (التي فُرضت لسبب وجيه) ردود فعل قوية في تركيا وضاعفت من حدة التوترات في الحلف نتيجة للحادثين اللذين تورطت فيهما البحرية التركية والقوات البحرية الفرنسية والألمانية ضمن عملية إيريني، التي تفرض حظر الأسلحة على ليبيا. لكن تركيا خلقت توترات منذ فترة طويلة من خلال سلوكها تجاه حليف آخر في الناتو أيضا، إذ هددت اليونان بالحرب إذا قررت ممارسة حقوقها بموجب القانون الدولي.

وتبقى الانقسامات الخطيرة التي تسببها تركيا في تماسك حلف شمال الأطلسي واضحة. فأين سنذهب من هنا؟ وما هي السياسة التي يجب أن تتبناها الولايات المتحدة وأوروبا واليونان (الحليف المهدد بشكل مباشر) من تركيا؟

يجد الاتحاد الأوروبي نفسه في وضع سياسي حرج نظرا لمصالحه الاقتصادية الرئيسية في تركيا، فهو يحاول كبح جماح تطلعات أنقرة الجيوسياسية دون إبعادها عن الغرب. كما تبنت الولايات المتحدة نفسها نهج العصا والجزرة.

في تعليقي الأخير خلال المناقشة البرلمانية حول الميزانية، أثرت هذه المخاوف وقلت إن أولوية الغرب (الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة) تكمن في وضع حد لسياسة تركيا المزعزعة للاستقرار، ثم التقدم نحو أجندة تعاون إيجابية في مرحلة لاحقة، بشروط قوية ومسبقة وصارمة. وبعبارة أخرى، يجب أن تستند سياسة الغرب بشأن تركيا إلى ثلاثية "الاحتواء، والحوار، والشراكة".

هذا هو مخطط السياسة الخارجية اليونانية، كما نفذها رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس. إنها سياسة متعددة الأبعاد تجمع بين الردع الدبلوماسي والعسكري وثلاثة أهداف رئيسية تكمن الرد على أعمال جيراننا العدوانية وغير القانونية والحد منها أوّلا، ثم التحضير لحوار محدد ينطلق عبر المحادثات الاستكشافية وبناء على القانون والمعاهدات الدولية. ويأتي العمل على استعادة التعاون الثنائي المفيد مع احترام علاقات حسن الجوار في النهاية. وبالطبع، يتطلب هذا وفاقا دائما. وليس مجرد استراحة قصيرة تليها عودة التوترات. بعبارات أخرى: لا ابتزاز أو تهديد او انتهاك حقوق.

يتوجّب على القيادة التركية أن تدرك أن ظهور شكل جديد من المسألة الشرقية والصراع مع الغرب لن يعمل لصالحها، بغض النظر عن أي دفعة مؤقتة قد يراها واضعو الاستراتيجية الرجعية في شعبيتهم المحلية.

ترجم هذا المقال إلى العربية بإذن من صحيفة كاثيميريني اليونانية. كما أن الآراء الواردة فيه تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي موقع أحوال تركية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/foreign-policy/west-faces-new-eastern-question
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.