الغارديان: زعماء المافيا التركية يخرجون من الظلّ إلى العلن

لندن – تثير عودة دور المافيا المزعوم في السياسة إلى الظهور كمسألة نقاش عام بشكل لافت بعد عدد من المستجدات والأحداث التي اعرب فيها بعض زعماء المافيا المرتبطين بشخصيات سياسية حاكمة المخاوف من تحويل تركيا إلى دولة مافيا بالموازاة مع الهواجس من الإطاحة بمؤسسات الدولة وأجهزتها.

وكان دور المافيا التركية تعاظم بعد أن شكل أردوغان تحالفًا سياسيًا في فبراير 2018 مع حزب الحركة القومية اليميني المتطرف، المعروف بصلاته التاريخية المزعومة بشخصيات الجريمة المنظّمة.

وفي هذا السياق نشرت صحيفة الغارديان البريطانية مقالاً أشارت فيه إلى أنّ زعماء المافيا التركية بدؤوا يخرجون من الظلّ والعمل في العتمة إلى الفضاء العام والعمل في العلن، في ظل حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان وحليفه اليميني المتطرف دولت بهجلي زعيم حزب الحركة القومية.

وجاء في مقال الصحيفة البريطانية أنه بعد عقود من الاختباء والسجن ومحاولة عدم لفت الانتباه، ينظر اليمين التركي الآن إلى زعماء المافيا في فترة دامية من تاريخ البلاد على أنهم" أصنام شعبية ".

أشار مقال الغارديان إلى صورة لزعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي وعلاء الدين تشاكيجي، وقالت إنّه للوهلة الأولى، قد تبدو هذه الصورة لرجلين تركيين عاديين أمام الكاميرات في مكتب مليء بالأعلام مثل أي من الشخصيات البارزة في البلاد، ولكن نادرًا ما تحتوي الصورة على الكثير عن الماضي المشترك وتبعث برسائل إلى الحاضر والمستقبل.

وأصبح زعماء المافيا مثل تشاكيجي وسيدات بيكر أكثر ظهوراً في الحياة العامة، حيث يسافرون في قوافل حول إسطنبول والعاصمة أنقرة. وفي عام 2018، برأت محكمة تركية بيكر من تهم تهديد 1128 من الأكاديميين والمفكرين الذين وقعوا عريضة تدعو إلى تسوية سلمية للمشكلة الكردية في تركيا.

ودولت بهجلي اليميني المتطرف أصبح فعالاً في السنوات القليلة الماضية بعد تحالفه مع حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان وتشكيله معه تحالفاً حكومياً قرّب بعده شخصيات مثيرة للشبهات منه، وأعادها إلى المشهد.

وعلاء الدين تشاكيجي زعيم المافيا الأكثر شهرة في تركيا، اتهم بارتكاب 41 جريمة قتل سياسي وسجن لأمره بقتل زوجته السابقة التي قُتلت بالرصاص أمام أطفالهما الصغار؛ وعلى الرغم من ذلك، تم الإفراج عنه العام الماضي، إلى جانب عشرات الأسماء الأخرى لزعماء المافيا، في عفو عن فيروس كورونا لم يشمل السجناء السياسيين بشكل لافت.

ونوّهت الصحيفة إلى أنّ إعادة تأهيل تركيا المفاجئ للمافيا وإطلاقها في الفضاء العام تنذر بمناخ سياسي جديد تتسامح فيه الدولة في أحسن الأحوال وتحتضن في أسوأ الأحوال أسماء الماضي السوداء.

وخلال فترة من تاريخ تركيا دخلت المنظمات اليمينية المتطرفة مثل الذئاب الرمادية المقربة من دولت بهجلي، لعبت دوراً مرحلة مظلمة ودموية بالعنف، وخلال تلك السنوات دخلت وكالة المخابرات التركية في شراكة مع المافيا لتنفيذ اغتيالات سياسية. وذكّرت صحيفة الغارديان بحادثة سوسورلوك.

ولخصت الصحيفة التصرفات الأخيرة بالقول إنّ تشاكيجي أرسل تهديدات بالقتل إلى زعيم حزب المعارضة الرئيسي، أثناء زيارته لشخصيات سياسية أخرى وتفاخر بوجود أصدقاء رفيعي المستوى على وسائل التواصل الاجتماعي. وهو أيضًا وزير داخلية سابق وكبير الجيش، وتم عرض سياسي وصحفي ومحامي ينتقد حزب الحركة القومية في أنقرة الشهر الماضي، في صورة التقطت في بودروم في أكتوبر، حيث شارك هذه اللقطة مع رجل أعمال ثري له صلات بحزب العدالة والتنمية الحاكم بزعامة أردوغان.

وقال صحيفة الغارديان إنّ ظهور أمثال هذه الشخصيات للعلن يشير بأن هناك بيئة سياسية جديدة في تركيا، وأنّ هؤلاء الأفراد ينشطون في بيئة يتم فيها العفو عن جرائمهم السابقة. وبالنسبة لحزب العدالة والتنمية، يصبح من الواضح: تبني الموقف القومي المتشدد لحزب الحركة القومية لا يضر بمشروعهم السياسي بل قد يساعد.

وتنهي الغارديان مقالها بالإشارة إلى أنّ حزب بهجلي السابق هو حليف إشكالي لأردوغان. يؤمن حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية بأنواع مختلفة من القومية. الأول إسلامي والثاني علماني. هذا الاختلاف يخلق خلافًا حول عدد من قضايا السياسة الداخلية والخارجية المهمة.

لكن بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016 كان من أهم الأمور في عملية تحول التحالف السياسي في تركيا، حيث كانت القوة السياسية الرائدة في تركيا هي ولادة اليمين المتطرف. وليس لدى أردوغان الذي أبعد الغالبية العظمى من الشركاء السياسيين المحتملين الآخرين في السنوات العشرين الماضية، خيار سوى البقاء مع حزب الحركة القومية للبقاء في السلطة، بينما يستمر الدعم الشعبي لحزب العدالة والتنمية في التراجع. وحتّى حزب العدالة والتنمية نفسه ليس غريباً عن الفساد والفضائح الإجرامية، وأهمية المافيا تتزايد ما يجعل المرء يفكر هل تتحوّل تركيا إلى دولة مافيا في المستقبل.

يشار إلى أنّ زعيم المافيا التركي علاء الدين تشاكيجي دخل على خطّ احتجاجات طلاب جامعة البوسفور ضدّ تعيين أردوغان عميداً مقرّباً منه، وهو مليح بولو، لجامعتهم بمرسوم رئاسي متجاهلاً إرادة الطلاب والأكاديميين في الجامعة. وأبدى تشاكيجي دعمه الشخصي لمليح بولو، عميد جامعة بوغازيجي في إسطنبول، وحثه على الوقوف بحزم ضد الاحتجاجات الطلابية التي تطالب باستقالته.

وفي رسالة مفتوحة نُشرت على حسابه على تويتر، دعا تشاكيجي بولو للبقاء في منصبه، وألقى باللوم في الاحتجاجات على مجموعات المعارضة بما في ذلك حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد، وحزب العمال الكردستاني المحظور، وجماعات معارضة أخرى.

وبحسب الكاتب علي عباداي، فإنّ تاريخ تركيا يمتلئ "بالقوائم"، وكان أشهرها قائمة رجال الأعمال الأكراد الذين تم ابتزازهم خلال فترة "الحرب الأهلية" في التسعينيات. وبعد فضيحة حادث سيارة بالقرب من بلدة سوسورلوك، والذي كشف عن اتصالات مسؤولي الدولة التركية بالمنظمات غير القانونية والعالم الإجرامي في عام 1996، سمع الجمهور لأول مرة بقائمة الأشخاص الذين يُزعم أنهم ساعدوا حزب العمال الكردستاني، وهي جماعة محظورة تقاتل من أجل استقلال الحكم في تركيا منذ عام 1984.

تم اختطاف رجال الأعمال الأكراد المدرجين في هذه القائمة وقتلهم إذا رفضوا دفع مبالغ كبيرة مقابل حريتهم. أنكرت تركيا وجود هذه القائمة لسنوات، لكنها عادت للظهور داخل قيادة قوات الدرك لاحقًا.

كما أشارت محاكمات أرغينكون - حيث اتُهم كبار العسكريين والسياسيين والصحافيين وشخصيات المجتمع المدني بتشكيل إمبراطورية الجريمة المنظمة المسلحة للإطاحة بالحكومة – إلى بعض القوائم، بما في ذلك أسماء الآلاف الذين سيتم اعتقالهم واحتجازهم في الستاد في حالة حدوث انقلاب. والآن يبدو أن حكومة حزب العدالة والتنمية ترتكب نفس الخطأ وتكتب قوائم جديدة.