جان تيومان
أغسطس 21 2019

البنوك الحكومية تواجه خسائر كبيرة بسبب القروض المتعثرة

لقد وجهت حالات الإفلاس والقروض المتعثرة الناتجة عن الأزمة الاقتصادية في تركيا ضربة كبيرة إلى ربحية القطاع المصرفي. فوفقًا لمعطيات هيئة التنظيم والرقابة المصرفية، انخفض إجمالي ربح القطاع بمعدل 14 بالمائة في النصف الأول من العام مقارنة بالنصف الأول من العام الماضي.

ويعزو الخبراء الاقتصاديون هذا الانخفاض في الربح إلى تقلبات الأسواق المالية في الأشهر الستة الأولى من العام. بالإضافة إلى أن مخصصات القروض التي منحت في الفترة السابقة، ثم أصبح من المستحيل سدادها تعتبر عاملاً مهمًّا في ظهور هذه النتيجة أيضًا.

على الرغم من هذا الأداء المتدني للبنوك عامةً في تركيا، فإن واحدًا من البنوك لفت الانتباه ‏من النظرة الأولى بالتراجع الكبير في أرباحه، والذي جعله يتفوق على نظيرته الأخرى بفارق شاسع، وهو بنك "خلق" (Halkbank) الذي يعتبر ثاني أكبر البنوك العامة في تركيا. فقد هبط صافي ربح البنك بنسبة 67 في المئة، ليتراجع إلى 600 مليون ليرة في النصف الأول من العام الحالي. أما في الربع الثاني من العام، فالبنك فاجأ الجميع وتبقى حجم ربحه عند حدود 188 مليون ليرة فقط، رغم أن أصوله كانت تقدر  بـ440 مليار ليرة، وتبلغ استثماراته في القروض والأوراق المالية 355 مليار ليرة في الربع الثاني من العام.

عند تحليل الميزانية العمومية للبنك، يتبين أن سببين مختلفين يقفان وراء هذا الانخفاض في ربحية البنك. أولاً تَكبَّد البنك خسارة في النقد الأجنبي بلغت 1.8 مليار ليرة في النصف الأول من العام. وهذا الرقم يتجاوز خسارته في العام المنصرم سبع مرات. بالطبع وصول خسارة البنك من النقد الأجنبي إلى هذا المستوى، رغم أنه لا يعاني من عجز في هذا الصدد على الورق، أمر باعث على الحيرة والدهشة.

الجميع في تركيا على دراية بأن السلطات تستخدم ‏البنوك العامة باعتبارها الباب الخلفي لعمليات سوق الصرف الأجنبي للبنك المركزي. لذا فإن خسارة بنك خلق القائم على رأس المال العام نتيجةٌ طبيعية. غير أن عمليات الصرف الأجنبي المشبوهة، التي تجري وفقًا للحسابات السياسية لحزب العدالة والتنمية الحاكم، وتحظى بسبب ذلك بدعم بعض الأوساط، ليست كافية بمفردها لتفسير انخفاض ربحية هذا البنك.

هناك عامل آخر وأكبر من السابق في انخفاض ربحية بنك خلق، وهو القروض المتعثرة لديه. ففي الأشهر الثلاثة الماضية، زادت القروض المتعثرة للبنك بمقدار 3.15 مليار ليرة (حوالي 500 مليون دولار). وهذا يعني زيادة صادمة في الديون المتعثرة تصل إلى 35 في المئة، مما يشير إلى حصول زيادة تعثُّر لدى البنك أكثر ثلاث مرات من متوسط ​​زيادة القروض المتعثرة لدى القطاع، البالغ 12 في المئة. والخسارة التي تكبدها البنك جراء هذه القروض المتعثرة شكلت العامل الأكبر بين عوامل تراجع ربحية البنك.

حسنا ما هو السبب الذي أثر على أرباح بنك خلق وخفضها إلى هذه المستويات الدنيا يا ترى؟ لنقرأ هذه العبارات التالية التي وردت في تقرير نشرته وكالة رويترز بشأن الانخفاض المشهود في ربحية بنك خلق:

"ذكرت مذكرة لبنك "وقف" الاستماري (Vakıf Yatırım) أن الزيادة في مصروفات المخصصات لبنك خلق بسبب تحويلٍ كبير جرى في الربع الثاني من العام كان له تأثير سلبي على صافي ربحه. كما ورد في المذكرة أن إقدام البنك على التغيير في محاسبة المخصصات، وإلغاء المخصص المجاني البالغ 385 مليون ليرة، أدى إلى تحجيم التأثير السلبي على ربحيته. وكذلك نوهت المذكرة بأن الزيادة في الخسائر التجارية أثرت سلبًا على الإيرادات الأساسية للبنك كذلك."

"أما تقييم بنك "إيش" الاستثماري (İş Yatırım) فلفت إلى أن العائد على الأسهم لبنك خلق يظل عند حدود 4 في المئة، وهو مستوى منخفض للغاية. كما أشار التقييم إلى أن جودة أصول البنك تعرضت للضرر بنسبة معينة بالتزامن مع ضمّ ملف كبير في مجال الطاقة إلى حساباته."

وكما يظهر مما سبق، فإن التقرير الذي أعدّه بنكان تركيّان مهمّان، أحدهما خاص والآخر عام، عن ميزانية بنك خلق العمومية يتحدث عن اقتراض خاص وكبير يعتبر ضمن العوامل التي أثرت سلبًا على ربحية البنك. إذ نرى أن تقرير بنك وقف الاستثماري يُرجع سبب انخفاض ربحية البنك إلى تحويل كبير جرى لسداد القروض المتعثرة، في حين أن بنك إيش الاستثماري يؤكد أن هذا التحويل ناتج عن ملف كبير خاص بقطاع الطاقة.

هذه التعليقات المنتشرة في السوق تثير بطبيعة الحال سؤالَ: مَنْ صاحب هذه القروض المتعثرة لبنك خلق يا ترى؟

البحث عن الإجابات تقودنا مباشرة إلى الأرشيف والنتائج التي وردت في مرفقات تقرير محكمة الحسابات.

يَذْكر التقرير الذي تمت صياغته في عام 2012 أن البنك قدم قرضًا بقيمة 450 مليون دولار للشركة المعروفة باسم "يلدزلار هولدينج"  (Yıldızlar Holding)في السنوات الماضية، ويكشف أن أعضاء مجلس إدارة الشركة لا يدفعون حتى ديون بطاقات الائتمان التابعة لهم في ذلك الوقت.

محكمة الحسابات تقرّ في تقريرها بأن القرض البالغ قيمته 450 مليون دولار المقدم من بنك خلق إلى شركة يلدزلار، التي لمع اسمها خلال فترة حكم حزب العدالة والتنمية، من الصعوبة بمكان سداده. وبعد ذلك تندلع ضوضاء وصخب كبير، حيث إن محكمة الحسابات تحدِّد عدم سداد شركة يلدزلار القروض المقدمة لها منذ فترة طويلة، ورغم ذلك تقوم إدارة البنك بتمديد مدة استحقاق القروض مرات عديدة، بل تلاحظ المحكمة أن البنك قدم للمجموعة قروضا إضافية مقابل ضمانات غير صالحة. فضلاً عن أن محكمة الحسابات تتوصل إلى أن بعضًا من الضمانات، التي حصل عليها البنك مقابل تقديمه قروضًا جديدة للشركة، عقارات تعود ملكيتها للخزانة أصلاً.

أظهر تقرير محكمة الحسابات أيضًا أنه من المستحيل مصادرة ممتلكات الشركة في حالة عجزها عن سداد ديونها؛ لأن بنك "آك" (AK Bank) الخاص هو الآخر قدم لهذه المجموعة قروضًا، مع وضع رهن تأميني من الدرجة الأولى على جميع أصوله. لذلك، في حالة إفلاس الشركة، سيواجه بنك خلق مباشرة خسائر كبيرة بسبب تلك القروض المتعثرة.

وقد انتقلت هذه القضية إلى وسائل الإعلام في عام 2013، لكن المديرية العامة لبنك خلق نفت دائمًا وجود أي مشكلة في قروضه المقدمة لمجموعة يلدزلار. وفعل الشيء ذاته مسؤولو حزب العدالة والتنمية عن الاقتصاد.

في نهاية المطاف، فإن الأرقام الواردة في الميزانية العمومية لبنك خلق في  الربع الثاني من عام 2019، والتي تم الإعلان عنها قبل أيام، أضفت الطابع الرسمي على هذا التعثر والخسارة العملاقة التي تعرض لها البنك، كما يتطرق الخبراء المصرفيون إلى هذه القضية في تقييماتهم وتحليلاتهم.

ولنسردِ الآن بقية القصة التي تسبّبت في خسارةٍ لبنك خلق بلغت 500 مليون دولار وأبطال هذه القصة.

على الرغم من جميع المشاكل التي واجهتها شركة يلدزلار في ذلك الوقت، إلا أنها لا تزال  تواصل أعمالها في قطاع السيراميك والطاقة - البترول والمناجم المعدنية والخدمات، وفقًا لما ورد في موقعها الرسمي على الإنترنت.

وبادرت قناة "آ تي في" (ATV) المملوكة لعائلة أردوغان العام الماضي إلى تقديم رئيس الشركة القابضة صباح الدين يلدز كرجل أعمال ناجح وأشاد بمشاريعه. وكانت القناة تشير إلى أن مجموعة يلدزلار حصلت على شركة "أتي" للفضة من خلال خصخصة، وأنها استصدرت من السلطات ألفين و229 ترخيصا للتنقيب عن المعادن في أراضٍ مساحتها أكبر 74 مرة من مساحة محافظة يالوفا غرب تركيا (وهي تشكِّل 3.8 في المئة من مساحة تركيا). ولا نحوز معلومات عن مصير تلك التراخيص. ومع أن الشركة كان بمقدورها أن تحقِّق أرباحًا وواردات من خلال هذه التراخيص، إلا أن بنك خلق أعلن عن تعثر قروضه المقدمة للشركة، الأمر الذي يحتاج إلى تفسير.

في حين أن بنك آك الذي قدم هو الآخر قروضا لمحطة "عثمان غازي" لتوليد الطاقة التابعة لمجموعة يلدزلار استطاع تحصيل كل ديونه منها تقريبا، عن طريق الاستيلاء على الضمانات والعمليات المالية المختلفة.

المدير العام لبنك خلق حسين أيدين الذي قدم هذه القروض للشركة في ذلك الوقت، يشغل اليوم منصب المدير العام لبنك "زراعة"، أكبر بنك في تركيا، وفي الوقت ذاته يرأس مجلس إدارة اتحاد المصارف. كما أن أيدين يأتي في مقدمة البيروقراطيين الداعمين لسياسات حكومة حزب العدالة والتنمية في القطاع المصرفي ووسائل الإعلام التابعة لها.

وأقدمت الحكومة هذا العام على إعادة رسملة بنك خلق، الذي تكبّد خسائر تكاد تصل إلى 500 مليون دولار بسبب القرض المتعثر، وذلك بحجة تعرُّض رأس ماله للضعف.

واقترضت وزارة الخزانة من خلال بيع سندات بقيمة 3.3 مليار يورو، مع آجال استحقاق مدتها خمس سنوات، وفائدة قدرها 4.60 في المائة، من أجل وضع هذه الأموال في البنوك العامة. وقد تم تحويل 900 مليون يورو من هذه الأموال إلى بنك خلق باعتبارها رأس مال له. وعلى ذلك سوف يصل إجمالي رأس مال البنك إلى ما مجموعه مليار و107 ملايين يورو مع الفائدة في عام 2024.

أما الذين كشفوا قبل سنوات الغطاء عن اختلاس شركة يلدزلار لهذا الحجم الكبير من القروض، وأعدوا تقرير محكمة الحسابات في هذا الصدد، وأرسلوه إلى البرلمان للنقاش فمصيرهم لا يزال مجهولاً. 

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/ekonomi/erdoganin-prensi-500-milyon-dolar-batirdi