الاقتصاد والنفوذ يُحرّكان تدخل تركيا في ليبيا رغم الانقسام الداخلي

 

قبيل مؤتمر حول الصراع الليبي برعاية الأمم المتحدة في برلين أمس الأحد، أعلن الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان يوم الخميس أن تركيا ستبدأ إرسال قوات إلى ليبيا دعماً لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها من قبل الأمم المتحدة.
وعلى عكس مغامرات السياسة الخارجية في سوريا، فإن التدخُّل في ليبيا يحظى بدعم أقل داخل تركيا. إذن، لماذا ترغب أنقرة في استثمار موارد أكبر في هذا البلد الواقع شمالي أفريقيا؟
تقول ليزل هنتز، الأستاذ المساعد في العلاقات الدولية بجامعة جون هوبكنز، لموقع أحوال تركية إن "الاقتصاد وغير ذلك من الدوافع الأكثر براغماتية تلعب دورها بالتأكيد" لكنها أشارت إلى أن أردوغان "ما زال يريد أن يرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مزيداً من الحكومات التي تبدو مثل حكومته– أي حكومات من نوع الأنظمة الشعبوية الإسلامية المستبدة".
وادّعى أردوغان بأن أكثر من مليون تركي يعيشون في ليبيا، ليضفي شرعية على تدخل بلاده في الصراع. وقال يوم الثلاثاء "إن من واجبنا حماية أهلنا في ليبيا" مؤكدّا على "العلاقات التاريخية والاجتماعية مع ليبيا".
لكن هاورد آيزنستات، الأستاذ المساعد المتخصص في تاريخ الشرق الأوسط في جامعة سانت لورنس والزميل الأول غير المقيم في مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط، قال لموقع "أحوال تركية" إن أردوغان يبالغ في بيع التاريخ، على الرغم من أنه "صحيح أن ليبيا – التي كان يشار إليها في تركيا العثمانية باسم ولاية طرابلس الغرب – كانت ولاية عثمانية في يوم من الأيام، وأن العثمانيين حاربوا الإيطاليين هناك".
وأضاف أن "تركيا منذ فترة طويلة توفّر العمال الماهرين على جميع المستويات لقطاع النفط في المنطقة، وكانت ليبيا وجهة مهمة للعمال القادمين من تركيا لعشرات السنوات".
ووفقا لهنتز، فإن حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السرّاج ضامن مهم "لاحتمال الوصول (التركي) إلى إمدادات النفط، من خلال عقود بنحو 20 مليار دولار يحتاجها الاقتصاد التركي، وهي بانتظار التنفيذ. هذا يجعل لتركيا نصيباً مما يدور من مناقشات بشأن المياه الإقليمية والوصول إلى موارد الطاقة الموجودة في شرقي المتوسط".
وما يُعقّد الأمور بالنسبة للمصالح التركية والوصول إلى حل للصراع – وهذا هو الأهم – هو تزايد حدّة تدويل ذلك الصراع.
وفي أواخر العام الماضي، دعم مرتزقةُ مجموعة فاغنر المرتبطة بالكرملين الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، والذي تدعمه أيضاً منذ فترة طويلة مصر ودولة الإمارات، وتزوّدانه بالطائرات المسيرة والصواريخ. وعرضت دول عربية أخرى، بينها المملكة العربية السعودية والأردن تقديم الدعم الدبلوماسي لحفتر، الذي يرون أنه يتبنى خطّاً فكرياً مشابهاً لهم يُعادي الإسلاميين.
وقال آيزنستات إنه بينما "صارت ليبيا عنصراً من عناصر العداء بين تركيا ومصر ودولة الإمارات... فإن الأهم من ذلك ربما هو أن أردوغان ينظر إلى ليبيا كطرف مهم في مواجهة جهود إبعاد تركيا عن التنقيب عن الغاز الطبيعي في شرقي المتوسط، والذي يتركز حول قبرص".
وفي الوقت الذي تترنح فيه أمام تقدم الجيش الوطني الليبي في طرابلس، دعت حكومة الوفاق الوطني تركيا في ديسمبر إلى تقديم دعم عسكري لها في إطار مذكرة تفاهم بين الحكومتين.
وُقعّت اتفاقية التعاون بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني في نوفمبر، إلى جانب اتفاق بشأن الحدود البحرية يؤكد على أن المناطق المحيطة بعدد من الجزر اليونانية وأجزاء من قبرص هي منطقة اقتصادية خالصة لتركيا. ويهدف الاتفاق إلى قطع الطريق بين مياه اليونان وقبرص وإسرائيل ومناطق اقتصادية خالصة لدول أخرى في شرقي المتوسط.
وتشكل الحقوق البحرية التي تدّعيها تركيا تهديداً مباشراً لخطط مد خط أنابيب عملاق، اتفقت عليه اليونان وقبرص وإسرائيل. هذه الدول الثلاث، إلى جانب الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، ومصر، أعلنت عدم شرعية الاتفاق التركي الليبي.
وإذا سقطت حكومة الوفاق الوطني، فإن تركيا ستخسر الطرف الدولي الوحيد الذي يدعمها في ادّعاءاتها ومطالباتها.
وقال أردوغان يوم الخميس "بالنسبة للمناطق التي ما زالت بين تركيا وليبيا، فقد بات من المستحيل قانوناً تنفيذ أنشطة تنقيب وحفر هناك، أو مدّ خطوط أنابيب، من دون الحصول على موافقة الطرفين".
وقال الرئيس إن تركيا ستبدأ إصدار تراخيص للتنقيب والحفر في هذه المنطقة قريباً.
ورفض مسؤولون يونانيون دعوة لحضور مؤتمر أمس الذي استضافته برلين برعاية الأمم المتحدة، وأجروا مباحثات مع حفتر يوم الجمعة. وقال رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس إن "اليونان لن تقبل أبداً في المجلس الأوروبي بأي حلّ سياسي لليبيا لا يتضمن شرطاً مسبقاً بإلغاء المذكرة الموقعة مع تركيا".
أما ألمانيا، التي ترى أن استقرار ليبيا مهم لوقف موجة طالبي اللجوء الذين يتدفقون على أوروبا، فهي متلهّفة لاستغلال مدة رئاستها لمجلس الأمن الدولي لإطلاق عملية السلام الليبية. وإلى جانب السرّاج وحفتر، فقد شاركت وفود من دول أجنبية منخرطة في الصراع، ومن بينها روسيا وتركيا والولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا ودولة الإمارات، والكثير من تلك الدول تنتهك حظر التسلح المفروض من جانب الأمم المتحدة.
وانطلاقاً من سعيهما إلى أخذ زمام المبادرة في حل الصراع، بذلت تركيا وروسيا جهوداً مشتركة في وقت سابق من الشهر الجاري للتوسط في وقف مؤثر لإطلاق النار. ووقّع السرّاج الاتفاق في موسكو، لكن حفتر غادر دون أن يوقعه.
ويجسد دعم أردوغان لتلك الجهود الفاشلة هدف حزبه – حزب العدالة والتنمية – القائم على الهوية، والمتمثل في إظهار قدرة تركيا على تشكيل الأحداث في المنطقة وتقديمها في صورة إيجابية تجعلها القائد الشرعي للمنطقة.
وقالت هنتز "الأمر المرتبط بالنفوذ والمكانة التي ستكتسبها تركيا من خلال تعزيز دور الزعامة الإسلامية الذي تلعبة في المنطقة... هو ما يمكن أن تحققه من قدرة على مساومة روسيا على وجه الخصوص، وأيضاً مصر ودولة الإمارات وغيرهما من الأطراف الداعمة لحفتر".
وربما تكون تركيا تعتقد أيضاً أن دورها في ليبيا يحقق لها زخما في التعامل مع روسيا بشأن صراعات أخرى.
وقالت هنتز لموقع "أحوال تركية" إنّ "الدعم العسكري لليبيا مرتبط بسوريا من حيث أن تركيا ربما كانت تعتقد أن بإمكانها جمع أوراق ضغط تساعدها في التفاوض مع روسيا في قضية إدلب المصيرية، على الرغم من أن هذا الفهم قد لا يكون دقيقاً. التصورات تشكّل أيضاً ملامح قدرة تركيا على وضع نفسها في صورة القيادة الإقليمية والوسيط.... في نظر الأطراف المحلية والدولية على حدّ سواء".
وعلى الرغم من أن البرلمان التركي منح أردوغان سلطة تحديد توقيت التدخل العسكري وحجمه، فإن التصويت الذي أُجري في الثاني من يناير شهد انقساماً كبيراً. فقد انضم حزب المعارضة الرئيس – حزب الشعب الجمهوري – والحزب الصالح القومي، إلى حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد في معارضة التدخل في ليبيا، على الرغم من أن الحزبين أيّدا عملية نبع السلام التي نفذتها تركيا في شمالي سوريا.
وقالت هنتز إن "الدعم العسكري لقوة صديقة أيديولوجياً ومالياً في ليبيا، هو من ثم لا يخلق الشعور القومي ذاته الذي يخلقه غزو سوريا، والذي غذّته المخاوف الأمنية المشروعة والمشاعر المعادية للأكراد".
وقد يستند أردوغان إلى عبارات تدغدغ المشاعر، مثل القول بأن من الواجب على تركيا حماية "الأشقاء" في ليبيا. لكن آيزنستات قال إن "الخطاب الأيديولوجي هنا تأثيره أقل كثيراً من الاعتبارات الاستراتيجية العملية" في نهاية الأمر.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة الإنجليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/libya-turkey/economics-status-drive-turkeys-libya-intervention-despite-split-domestic-support
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.